
إديسون
ولد "توماس ألفا إديسون" عام 1847م، وكان مولده على وجه التحديد في الحادي عشر من شهر فبراير، في مدينة "ميلان" بولاية "أوهايو" بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد انتقلت عائلة "إديسون" بعد سنوات قليلة من مولده إلى لاية "ميتشيجان"، واختارت مدينة "هورن" مقرا لإقامتها الدائمة.
كان "إديسون" وقتها في السابعة من عمره، وكانت أسرته فقيرة متواضعة، ولكنها كانت تعلّق الكثير من الآمال على "توماس"، وومن ثم قرّرت إلحاقه بإحدى مدارس الفقراء في المدينة.
ومن العجيب أنه بعد ثلاثة أشهر فقط من الدراسة، طرد "إديسون" من المؤسسة التعليمية نهائيا بعد أن اتهمه الناظر بالتخلّف العقلي، وبأنه لا يصلح للتعليم مثل سائر الصغار.
وهكذا خرج "توماس إديسون" إلى الشارع بعد أن فقد الأمل في مواصلة التعليم، وقرر أن يبدأ حياته العملية في أي مهنة، غير أن والدته الّتي كانت على قدر ضخم من الثقافة تولّت تعليمه بنفسها، وهكذا تخلّى "إديسون" – مؤقتا – عن فكرة العمل، وأقبل على دروس والدته يلتهمها إلتهاما، فكانت والدته تقرأ له الكتب، وتناقشه فيها، وتعلّمه القراءة والكتابة والحساب، وقد تمكنت والدته في غضون ثلاث سنوات أن تعلمه إلى جانب القراءة والكتابة والحساب شيئا من الأدب، وأن تغرس فيه حب المعرفة لجميع شيء.
وبدأ "إديسون" يقرأ بنفسه لنفسه، وما إن بلغ العاشرة من عمره إلى أن كانت والدته قد قادته إلى قراءة كتب مثل: "إنحطاط الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" ل"جين"، و"تاريخ إنجلترا" ل"هيوم"، و"تاريخ الدنيا" ل"سير" و"قاموس المعارف"، وغير ذلك من المؤلفات المهمة الّتي أكسبته عادة التفكير العميق المنظم فيما بعد.
يقول "هنري توماس" في كتابه عن سيرة حياة "إديسون": (كان "إديسون" في تلك السن المبكرة لا يكتفي بالقراءة كوسيلة للمعرفة، فلقد دفعه عشقه الجارف لمعرفة جميع شيء عن جميع شيء إلى الدراسة عن وسائل أخرى للحصول على المعرفة الّتي تتضمنها المؤلفات الّتي قرأها، وهكذا بدأ "إديسون" يعرف الطريق إلى التجريب).
وبالطبع لم يستطع "إديسون" أن يحقق أي شيء نافع من تجاربه، بل إنه بشكل ضخم ما كافأة والده على تجاربه بالضرب، ومع هذا لم يكف "إديسون" الصغير عن مواصلة تجاربه، لقد قرأ "إديسون" كتاب "رتشارد جرين باركز" عن "مدرسة الفلسفة الطبيعية"، ولم يكن "إديسون" إذ ذاك قد تجاوز التاسعة من عمره، وقد جعله هذا الأمر المؤلف يقبل على إجراء التجارب بعشق أعظم.. رغم تهديدات والده.
واتّخذ "توماس إديسون" من مخزن الطعام بأسفل الدار معملا له، وفي هذا الأمر المخزن جمع "إديسون" عددا من القنينات الزجاجية والأباريق والمقررات الكيميائية والحشرات الغريبة والنباتات والصخور، وكان يقضي أغلب وقت فراغه في هذا الأمر العمل وهو يجري التجارب. كانت أول تجربة علمية له وهو في السادسة من عمره، إذ أشعل النار في مخزن حبوب أبيه ليرى ماذا يحدث، واحترق المخزن عن آخره، وكاد "توماس" أن يحترق معه، ثم كافأة أبوه على حب إستطلاعه هذا الأمر بضربه على مشهد من الناس في ساحة القرية.
وأراد مرة أخرى أن يفقس بيضا ليخرج منه طيرا، فقعد على عدد من بيض الأوز، فكان جميع ما فقسه هو لطخة من مح البيض على مقعد سرواله، ثم الضرب مرة أخرى، وعندما كان في السابعة من عمره أراد أن يعرف سر الطيران، وسأل والده: لماذا وكيف تطير الطيور؟ فلم يجد إجابة مقنعة، وهداه تفكيره إلى أن الطيور تطير لأنها تأكل الديدان، وأتبع هذا الأمر الخاطر العجيب بعمل وشيك بعدما قال لنفسه: متى كانت الطيور تطير لأنها تأكل الديدان، فلماذا لا تستطيع الخادمة الصغيرة الّتي نستأجرها أن تفعل ذلك كذلك؟.
وقام بإعداد طبخة من الدود والماء، وأقنع الفتاة الأجيرة أن تشربها، ولم تطر الفتاة في الهواء، بل سقطت المسكينة على أثر ذلك إلى الأرض تتلوى من الألم، ولحسن الحظ أنها شفيت من تلك التجربة، أما "إديسون" فقد تعرّض للعقاب مرة أخرى.
ومع هذا لم يكف العبقي الصغير عن الدراسة وطلب المعرفة والسعي الدائب لمعرفة سر الطيران، فقام تلك المرة بإجراء الإختبار على أحد رفقاء اللعب، وكان رفيقة هذا الأمر يدعى "ميخائيل أوتس".
أعطى "إديسون" لرفيقه "ميخائيل" جرعة ضخمة من مسحوق "سدلتز" الفوار، لكي يمتلئ بالغاز فيرتفع في الهواء مثل البالون أو المنطاد المنفوخ، ومرة أخرى كانت الحاصل آلاما في المعدة لميخائيل، والضرب لتوماس الصغير.
ومع هذا ظل "إديسون" على مبدئه الّذي يؤمن به: "إن الوسيلة الوحيدة نظرا لأن تكتشف هي أن تجرب".
ولولا إصرار "إديسون" على إجراء مثل تلك التجارب، لما اقتنعت والدته منذ البدء بأنه ليس كالصغار العاديين، إنما هو يتفوق عليه بالذكاء والعبقرية والفطنة، وما الشرود الّذي يعتريه سوى شرود العباقرة، وهو دليل على عبقريته وليس على تخلّفه كما اتهمه الناظر بذلك.
ولو أن والدة "إديسون" لم تقتنع بعبقريته، لما تولّت تعليمه بنفسها بعد طرده من المدرسة، ولكان مصير "إديسون" قد تغيّر تماما.. ومن يدري ماذا كان "إديسون" سيصبح عندئذ؟.
والواقع أن "إديسون" حين بلغ العاشرة من عمره، كان قد نال قسطا جيدا من التعليم، وقرأ الكثير من الكتب، لكنه كان يريد المزيد من المؤلفات والمجلات، ومن ثم قرر "إديسون" أن يعمل ليحصل على المال اللازم لشراء الكتب، وهو يقضي الكثير من الوقت في القراءة وإجراء التجارب، ومع هذا يتبقى له كذلك الكثير من وقت الفراغ. فلماذا لا يستثمر هذا الأمر الوقت في العمل ليتيح المال اللازم لشراء المزيد والمزيد من المؤلفات وأدوات المعمل والمقررات الكيميائية.
وفي مستهل الأمر رفضت والدته أن تسمح له بالعمل لإعتقادها بصغر سنه على القيام بالأعمال، لكنه إستطاع بعد فترة قليلة أن يقنعها بضرورة خروجه للعمل.. ووعدها أن يحافظ على نفسه بقدر الإمكان، فلما إطمأن قلبها وافقت على أن يعمل شرط أن يكون العمل مناسبا وبعيدا عن المخاطر.