المكتبة/البيداغوجيا الفارقيّة - مقالات وبحوث متنوعة

البيداغوجيا الفارقيّة - مقالات وبحوث متنوعة

1‏/3‏/2013



السيد محمد المنصف القلسي : متفقد التدريس المرحلة الابتدائية
السيد أحمد بوشحيمة : متفقد أول للتعليم المرحلة الثانوية

منشورات المركز الجهوي للتربية والتكوين المستمر بصفاقس



مضمون الوثيقــة
الجانب النظري
I / التحديد المفهومي
1) تعريف لوي لوقران Louis Legrand
2) تعريف فيليب ماريو Philippe Meirieu
3) تعريف د. مراد البهلول

II / الأسس النظرية
1) المرجعيات الفلسفية
2) المرجعيات التربوية
3) المرجعيات الاجتماعية
4) المرجعيات العلمية

III / الأهداف والغايات

الجانب التطبيقي
البيداغوجيا الفارقية بين النظري والتطبيقي
I - رواد البيداغوجيا الفارقية عبر التاريخ
II - الآليات المعتمدة في التفريق البيداغوجي

خاتمة
نموذج تطبيقي:
مذكرة درس اعتمادا على مبادئ البيداغوجيا الفارقية (في مادة التنشئة الاسلامية)

توطئـــــة

من أهم التحديات التي تواجهها التنشئة في عصرنا الحالي - أوفر من أي وقت مضــى - كسب رهان التنشئة المستديمة وهو شعار ترفعه منظمة اليونسكو للدخول في القرن الحادي والعشرين.

ولا تتمثل تلك التنشئة في تمكين الفرد من فرص الرسكلة والتكوين المستمر فحسب بل في تأسيس الكفاءات الضرورية لدى جميع فرد والتي تجعله قادرا على التكيف الإيجابي مع جملة التغيرات التي تطرأ على مظاهر الحياة اليومية السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية…

ولئن يعتبر اليونسكو التنشئة المستديمة مفتاح الدخول إلىالقرن المقبل وشرطا أساسيا لتكيف الأفراد مع خصوصيات الحياة العصرية ومقتضياتها فإن تحقيق هذا الأمر الغاية يبقى رهين تطور السياسات التربوية والساهرين على حظوظ التنشئة من مسؤولين وإداريين وأطر إشراف ومربين إلى أن يعملوا جميعا على تطوير الممارسات البيداغوجية وتجويد طرقها وأساليبها المعتمدة في التكوين والتدريس....

ولا بالإمكان للتربية أن تعتمد على المنظومات التقليدية لكسب مثل تلك الرهانات لأنها فشلت إلى حد الآن في تحقيق هدفين أساسيين على الأقل:
كسب رهان ديمقراطية التنشئة (مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص)
الحد من ظاهرة الفشل المدرسي والهدر البيداغوجي.

ولا شك أن التربويين منشغلون في الدراسة عن ايجاد مختلف المخارج الكفيلة بتحقيق تلك الرهانات وقد شهدت العقود الأخيرة العديد من الدراسات المعمقة والدراسات الميدانية عبر مختلف بلدان العالم للحد من ظاهرة الفشل المدرسي والتقليص من نسب الهدر البيداغوجي وقد برزت عدة مقاربات بيداغوجية نذكر منها: تجربة الفصول المتجانسة/التدريس وفق مقاربة الكفايات الأساسية/ بيداغوجيا الدعم/بيداغوجيا الاتقان....

ومن بين تلك المخارج نذكر البيداغوجيا الفارقية
- ففيم تتمثل البيداغوجيا الفارقية؟ ما هي خصائصها؟ أهدافها؟ غاياتها؟
- ما هي مشروعية تطبيقها في فصولنا؟ (مبادئها/أسسها النظرية….)
- كيف بالإمكان اعتماد التفريق البيداغوجي في السداسي الواحد؟
- ما هي المخارج التي بالإمكان أن تقدمها للتربية والتدريس للحد من ظاهرة الإخفاق المدرسي؟
- إلى أي حد بالإمكان الاعتماد على تلك المبادئ في تحقيق الأهداف والغايات التربوية المنشودة؟
- ما هي جملة الصعوبات التي يواجهها جميع من المدرس أو المربي في تطبيق تلك المبادئ؟

سنحاول الاجابة عن مختلف تلك الإشكاليات عبر تحديدنا لمفهـوم البيداغوجـيا الفارقية والتعرف إلى مبادئها وأسسها النظرية وتاريخ تطبيقها (التعرف إلى جملة من التجارب العملية) وتحليل جملة الصعوبات والعوائق التي بالإمكان أن يواجهها جميع من المدرس والتلميذ والمؤسسة التربوية لتجسيمها.

الجانب النظري

I- التحديد المفهومي

1) تعريف لوي لوقران

Louis Legrand

استخدم هذا الأمر المفهوم لأول مرة سنة 1973 عن طريق المربي الفرنسي Louis Legrand كمحاولة لتطبيق مجلوبات علم النفس الفارقي Psychologie Différentielle، وذلك من منظور علم النفس التربوي Psychopédagogie ويتمثل ذلك في الدراسة عن آليات حديثة في التدريس تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين.

يعرف
Louis Legrand البيداغوجيا الفارقية كالآتي "البيداغوجيا الفارقية هي تمش تربوي يستخدم مجموعة من الوسائل التعليمية التعلمية قصد مساعدة الصغار المختلفين في العمر والقدرات والسلوكات والمنتمين إلى فصل واحد على الوصول بطرق مختلفة إلى نفس الأهداف".

نلاحظ في هذا الأمر التعريف الأولي أن الأهداف مشتركة بين جميع تلاميذ السداسي الواحد وإنما المتغيرات تتصل بالطرق والأساليب المعتمدة من قبل المدرس لتمكين جميع الأفراد - حسب اختلافاتهم النفسية والمعرفية - لتحقيقها.


2) تعريف فيليب ماريو

Philippe Meirieu

ويقترح
Philippe Meirieu على المعلمين أو الأساتذة أسلوبين يتفق كلاهما مع مبادئ البيداغوجيا الفارقية.

ويتمثل الأول في ضبط هدف واحد لمجموعة السداسي مع اتباع تمشيات مختلفة تفضي كلها إلى نفس الغاية.

ويتمثل الأسلوب الثاني في تشخيص الثغرات الحاصلة عند جميع تلميذ وضبط غايات مختلفة تبعا للأخطاء الملاحظة.


3) تعريف د. مراد البهلول


ويعرف د. مراد البهلول في رسالة دكتوراة حول البيداغوجيا الفارقية (1995) تحت إشراف فيليب ميريو البيـداغوجيا الفـارقية كالآتي:
"تتمثل البيداغوجيا الفارقية في وضع الطرق والأساليب الملائمة للفروق ما بين فردية (بين الأفراد) والكفيلة بتمكين جميع فرد من تملك الكفايات المشتركة (المستهدفة بالمنهج).
فهي سعي متواصل لتكييف أساليب التدخل البيداغوجي تبعا للحاجات الحقيقية للأفراد المتعلمين. هذا الأمر هو التفريق الوحيد الكفيل بمنح جميع فرد أوفر حظوظ التطور والارتقاء المعرفي."

نستنتج من جميع تلك التعاريف أن البيداغوجيا الفارقية ليست بنظرية حديثة في التنشئة أو طريقة خاصة في التدريس بل هي روح عمل تتمثل في الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المتعلمين من جهة والكفايات المستهدفة في المنهاج الرسمي من ناحية ثانية.

ولا يتمثل التفريق في إغراق جميع فرد في فرديته بل في تمكينه من بلوغ أقصى ما بالإمكان أن يصل إليه من التطور المعرفي وتطور شخصيته في جميع أبعادها المعرفية والوللغايةنية والاجتماعية...

وتلك الفروق الفردية بين التلاميذ المنتمين إلى فصل واحد هي عديدة ومتنوعة (فروق في الاستعدادت الذهنية والمعرفية/فروق وللغايةنية تتصل بالرغبة في الاستيعاب/فروق تتصل بعلاقة الفرد بالمعرفة/وفروق تتصل بالوسط الاجتماعي الثقافي الذي نشأفيه الصغير/تجربته الذاتية/تاريخه المدرسي/علاقته بالمؤسسة التعليمية والمربي....)

جميع تلك الاعتبارات سيقع تحليلها لاحقا، غير أن قبيل ذلك لابد أن نتطرق إلى الأسس النظرية التي تعتمد عليها تلك المقاربة البيداغوجية إلى أن نتبين مشروعية تطبيقها في مدارسنا وفصولنا.

II- الأسس النظرية


تستند البيداغوجيا الفارقية إلى عدة مرجعيات نظرية (فلسفية -تربوية - علمية - اجتماعية...) نذكر منها:

1- المرجعيات الفلسفية

تقـوم البيـداغوجـيا الفـارقـية على مفــهوم أســاسي وهـو قـابليـة الفـرد للتربية والاستيعاب:
La notion d'éducabilité الشيء الذي يشرع العمل التربوي والتدخل البيداغوجي...

ويتعارض هذا الأمر المفهوم مع مفهوم الموهبة
La notion du don التي تقر بأن الذكاء فطري وأن القدرات الذهنية والمعرفية موروثة بنسبة ضخمة للغاية.

وقـد أثـارت هـذه القضية جـدلا كـبيرا سـواء بين المنظرين التربويين أو عبر المـدارس الكـلاسيكية في عـلم النفس.

(راجع نص, comme facteurs de développement Hérédité et milieu في الملاحق).

2- المرجعيات التربوية


أ - مفهوم التنشئة:
لاشـك أن النظريات التـربوية عـديدة ومتنوعة المفاهيم والأبعاد وقد حـاول Yves Bertrand في كـتابه Les théories contemporaines de l'éducation (1993) تصنيفها إلى سبع مجموعات:
1 - النظريات الماورائية (الروحية).
Théories spirituelles

2 - النظريات الشخصانية.

Théories personnalistes

3 - النظريات النفسعرفانية.

Théories psychocognitives

4 - النظريات التقنية.

Théories technologiques

5 - النظريات الاجتماعية العرفانية.

Théories sociocognitives

6 - النظريات الاجتماعية.

Théories sociales

7 - النظريات الأكاديمية.

Théories académiques

وتستـقي البيداغوجـيا الفارقـية مـن تلك النظريات المفـاهيم التي بالإمكان أن تسـاعدها على تمكين جميع فرد - حسب امكاناته - من النجاح والتكيف الايجابي مع مجتمعه والتأثير فيه وبلوغ أقصى درجات التطور والارتقاء.

وضمن هذا الأمر الميدان يحدد كانط Kant جوهرية التنشئة في "ايصال جميع فرد إلى بلوغ أقصى مراتب الإتقان التي بالإمكان أن يحققها."
<<L'éducation doit développer dans chaque individu toute la perfection dont il est capable>>

ب - البيداغوجيا الفارقية تنتمي إلى المنظومات الحديثة في التنشئة:

تندرج البيداغوجيا الفارقية كما ضبط ملامحها Louis Legrand ضمن المنظومات التربوية الحديثة التي برزت في النصف الأول من القرن الماضي وهي تربية مؤسسة على مجلوبات علم النفس وعلم نفس الصغير والمراهق بصفة أخص ولعل أشهر التربويين الذين برزوا في تلك الفترة:
- جون ديوي (1859 - 1952) بالنسبة لأمريكا.
- ماريا مانتسوري (1878 - 1952) بالنسبة لإيطاليا.
- فراناي وكوزنياي بالنسبة لفرنسا.

ويشترك هؤلاء المنظرون المنضوون تحت لواء التنشئة الجديدة في أمرين أساسيين:


• إن الصغير أصبح مركز العملية التربوية الشيء الذي جعل جملة من المؤرخين يتحدثون عن ثورة كوبرنيكية قام بها هؤلاء الرواد داخل النظرية التربوية. وهي ثورة قلبت العلاقة بين المركز والدائرة. يقول كـلاباراد في هذا الأمر الاتجاه: "من الفرض أن تكون المناهج والطرق هي التي تحوم حول الصغير لا أن يكون هذا الأمر الأخير هو الذي يحوم حول مناهج قد ضبطت بمعزل عنه"

• إن العمل التربوي ينبغي أن يبنى على أسس سيكولوجية أي على معرفة معمقة للقوانين التي تنظم الايواليات أي الميكانيزمات الذهنية للمتعلمين. يقول نفس الكاتب في كتابه التنشئة الوظيفية ص 143: "أريد أن أبين لكم كيف أن علم النفس وعلم نفس الصغير بالخصوص يطرح لنا معارف حول التلميذ هي في غاية من الأهمية بالنسبة للممارسة التربوية". بغية ذلك نرى المربي يدعو إلى بناء مدرسة حديثة تكون أوفر ملاءمة مع التلاميذ في تمايزهم واختلافهم الذهني والوللغايةني:
l’école sur mesure وتعتمد تلك التنشئة على ثلاثة أركان أساسية:
- الاعتراف بوجود اختلافات نفسية لدى التلاميذ
- ضرورة الاعتبار بتلك الاختلافات عند التدخل البيداغوجي.
- الأخذ بتلك الاختلافات لوضع آليات حديثة لتنظيم العمل المدرسي (تنظيم السداسي إلى مجموعة أفرقة).


ج - التنشئة والحداثة:
تمتاز منظومة الحداثة - خلافا للمنظومة التقليدية - بعدة خصائص لعل أهمها يتمثل في:
- رد الاعتبار للفرد كعنصر فاعل ونشيط في العملية التربوية.
- تأسيس عدة قيم حديثة لدى الفرد كالاستقلالية (الترشد الذاتي) والتسامح والتفتح على الغير والفكر النقدي والسلوك المدني....
- العقلانية: اعتماد الفكر الموضوعي بدل الفكر الخرافي....
- التوفيق بين ما هو داخلي وما هو خارجي.

وتهدف السياسة التربوية في بلادنا إلى تأسيس مثل تلك المبادئ لدى ناشئتنا إذ نقرأ في السداسي الأول من غائيات النظام التربوي (قانون 29 جويلية 1991) ما يلي: "يرمي إلى النظام التربوي التونسي إلى تمكين الناشئة منذ حداثة عهدها بالحياة مما ينبغي أن تتعلمه إلى أن يترسخ لديها الوعي بالهوية الوطنية التونسية ويتدعم عندها التفتح على الحداثة والحضارة الانسانية."

ولهذا الإقرار استنتاجات تربوية على غاية من الأهمية تتصل بالمهام الجديدة للمؤسسة التربوية والأدوار المتصلة بعمل جميع من المدرس والاستاذ والتلميذ....

وهنا لابد أن نتساءل عن الطرق البيداغوجية الملائمة والكفيلة بتجسيم تلك المبادئ (الحداثة) وعن المضامين المعرفية (المحتويات) المساعدة على تأسيس تلك القيم لدى ناشئتنا.


د - مفهوم الإتقان:

إن المتتبع لتاريخ المفاهيم التربوية خلال النصف الثاني للقرن العشرين يلاحظ أن التنظير التربوي قد استورد من عالم الاقتصاد مجموعة من المفــاهيم والمصطلحــات مثل الكفــاية (Compétence) والانتاجية Productivité والامتياز Excellence وأخيرا وليس آخرا مفهوم الإتقان Qualité.

ويعرف
TAYLOR الإتقان بالمفهوم الاقتصادي اعتمـادا على الانتاج النهائي Produit final من إذ ملاءمته للمواصفات المحددة وهي قضية تهم الاطارات والمهندسين بالأساس في حين تبقى العلاقة بين العامل والاطار علاقة عمودية.

وعندما ينتقل مفهوم الإتقان إلى عالم التنشئة يصبح مفهوما معقدا متعدد الابعـاد ونسبيا على حـد تعبير ديكوتال
(1999) J.M. Deketele وذلك نظرا لأن القضية تصبح متعلقة بالإنسان (المتعلم) هذا الأمر الكائن المتعدد الأبعاد والمغرق في التعقيد...

ولكي نسيطر على مفهوم الإتقان داخل عالم التنشئة ونوظفه لفائدة التدخل البيداغوجي لابد من ترجمته إلى مؤشرات مدرسية قابلة للملاحظة والقيس والتكميم... وفي هذا الأمر الصدد يقول
Gazaiel وWarnet في كتابهما:
 Le facteur qualité en éducation dans l'école de l'an 2000. Ed. Puf (1998).:
"إن انتقال الإتقان من عالم المؤسسات إلى عالم التنشئة ينبغي أن يلفت انتباهنا إلى كوننا بصدد ثورة تجعل من العنصر البشري الركيزة الأساسية للمؤسسة مهما كان اختصاصها."

ومن هذا الأمر المنظار تعتبر البيداغوجيا الفارقية الإتقان رهانا تربويا من الدرجة الأولى تسعى إلى بلوغه عبر مختلف الآليات المعتمدة في التدريس والتفريق البيداغوجي.


3 - المرجعيات الاجتماعية


أ - مبدأ تكافؤ الفرص:
لقد أبرزت العديد من الدراسات السوسيولوجية أن المؤسسة التربوية ترفع شعار ديموقراطية التدريس وذلك بتمكين جميع فرد من التدريس (المجاني أو الإجباري) منذ سن السادسة من العمر بصفة متكافئة.... والحقيقة أن هؤلاء الصغار ليسوا متكافئي الامكانات والقدرات... فقد برهنت أعمال B. Bernstein أن الصغار المنحدرين من أوساط اجتماعية ثقافية محظوظة يمتلكون رصيدا لغويا متطورا من إذ ثراء المعجمية والصيغ.... في حين نرى أن أترابهم المنحدرين من أوساط اجتماعية ثقافية غير محظوظة يفتقرون إلى هذا الأمر الزاد اللغوي الشيء الذي لا يساعدهم في أغلب الحالات على النجاح في دراستهم.

وفي دراسة ثانيـة للبـاحثين P. Bourdieu وPasseron حول دور المـدرسة في التقـليص بين الـفـوارق والطبقات الاجـتماعية استنتج هذان الباحثان أن المـدرسة تلعب دور المحافظة واستنساخ المجتمع أي الإبقاء على نفس الطبقات. (La théorie de la reproduction)

ويفرق هذان الباحثان بين مفهومين اثنين:
• المساواة الشكلية Egalité formelle
• المساواة الحقيقية Egalité réelle

وتتمثل المساواة الحقيقية في الأخذ بعين الاعتبار الفروق ما بين الفردية أي الحاجات الذاتية لجميع فرد:
Principe d'équité 


ب - مبدأ الحد من ظاهرة الإخفاق المدرسي:
من بين الأهداف الجوهرية للبيداغوجيا الفارقية التقليص من ظاهرة الفشل المدرسي وذلك بالدراسة عن مختلف المخارج الممكنة للحد من تلك الظاهرة التي تقذف بنسبة ضخمة من أطفـالنا إلى الشارع أو تحكم عليهم بالتعهد المتواصل...

وقد اهتمت العديد من الدراسات بهذا الأمر المسألة قصد تحديد الأسباب التي تقف وراء تلك الظاهرة. وقد تأثرت تلك المباحث بالجوانب النفسية أو الاجتماعية التي تنتمي إليها وقد أفرزت تلك الدراسات عدة نتائج نذكر منها:
- أسباب تتصل بالسياسات التربوية.
- أسباب تتصل بوضع المناهج والمحتويات المدرسية.
- أسباب تتصل بالأنظمة المؤسساتية.
- أسباب تتصل بالطرق والأساليب المعتمدة بالتدريس.

وتهتم البيداغوجيا الفارقية بالأسباب الأخيرة (الطرق والأساليب) علها تساهم في التقليص من تلك الظاهرة المعقدة والمتعددة الأبعاد والجوانب....


4- المرجعيات العلمية

أ - مجلوبات علم النفس الفارقي:
علم النفس الفارقي هو فرع من فروع علم النفس يهتم بوصف وشرح الفروق الفردية بين الأفراد والمجتمعات عن طريق استخدام وسائل علمية وموضوعية.

يقول موريس روكلان في محاولة لتعريف هذا الأمر المجال العلمي: "حين نضع أشخاصا في وضعية تجريبية متحكم فيها ومسيطر عليها بكيفية تسمح للباحث بتكميم سلوك هؤلاء الأشخاص نلاحظ أمرين هامين: يتمثل الأول في كون سلوك الأفراد يتغير كلما تغير المثير الذي نسلطه عليهم ويتمثل الأمر الثاني في أن سلوك المجرب عليهم يختلف من فرد إلى آخر متى نجعل المجموعة أمام نفس المثير."

ويتمثل موضوع علم النفس الفارقي في دراسة تلك الاختلافات في السلوك وربطها بالمميزات الفردية للأشخاص.

ولا شـك أن مظاهر الفـروق الفردية بين الأشخاص عديدة ومتنوعة: فيزيولوجية، وللغايةنية، ذهنية، معرفية اجتماعية... وسنهتم هنا بالفوارق المتصلة أساسا بالنجاح المدرسي:

-*- فروق في مستويات النمو المعرفي
لاشك أن النمو المعرفي عند الأفراد يتم بصفة متدرجة (راجع أعمال بياجي المتصلة بمراحل النمو المعرفي) وأن علم النفس الفارقي أثبت أن جميع الأفراد لا يرتقون إلى نفس المراحل تبعا للمرحلة العمرية التي ينتمون إليها.

-*- فروق في نسق الاستيعاب
Le rythme d'apprentissage
لقد أصبح من البديهي ملاحظة الفروق الفردية بين تلاميذ السداسي الواحد من إذ النسق المعتمد خلال عمليات تملك المفاهيم أو استيعاب البيانات... فهناك من يتعلم القراءة والكتابة بصفة عاجلة في حين ترى البعض الأخر يخضع إلى أنساق بطيئة لتحقيق نفس القدرات.

-*- فروق في مستوى الأنماط المعتمدة في الاستيعاب
Les styles cognitifs
أبرزت أعمال De La Garanderie (1980) أن المتعلمين يستخدمون أنماطا مختلفة خلال سيرورة الاستيعاب. فهناك من يميل إلى الاستيعاب عن طريق السمع في حين يميل البعض الآخر إلى الاستيعاب عن طريق المشاهدة البصرية أو الممارسة الحسية...
(راجع نص: De La Garanderie في الملاحق).

-*- فروق في مستوى الاستراتيجيات المعتمدة في الاستيعاب
Les stratégies d'apprentissage
يمتاز جميع تلميذ متعلم عن أترابه (المتواجدين معه في السداسي) من إذ الاستراتيجيات التي يعتمدها خلال عمليات تملك المعارف وبناء المفاهيم. فما المقصود من استراتيجية التعلم؟

يعرف المعجم المعاصر للتربية هذا الأمر المفهوم كالآتي: "هي مجموع العمليات التي يبرمجها المتعلم طبقا لمكتسباته السابقة وذلك قصد الوصول إلى هدف معرفي معين داخل وضعية تربوية متميزة."
ونستنتج من هذا الأمر التعريف أن جميع تلميذ يستخدم استراتيجية متميزة في الاستيعاب تختلف عن الاستراتيجيات المعتمدة من قبل زملائه داخل السداسي الواحد. جميع ذلك يفرض علينا عدة شروط خلال بناء وضعيات التدريس والاستيعاب نذكر منها:
- التعرف إلى الاستراتيجيات التي يستعملها الفرد خلال عمليات الاستيعاب.
- مساعدته على تطويرها وإثرائها أو تصحيحها.
- عدم إغراقه في نفس التمشيات قصد اكسابه المرونة الكافية وقدرات أفضل على الاستيعاب.

-*- درجة التحفز للعمل المدرسي (الرغبة والدافعية)
تعتبر الدافعية – داخلية كانت أم خارجية – شرطا من شروط الاستيعاب إلا أنها تختلف من تلميذ إلى آخر ويعود ذلك إلى عدة عوامل نذكر منها:
- المعنى الذي يعطيه التلميذ للعمل المدرسي (لماذا أتعلم؟)
- مدى استجابة المسائل المدرجة للبرنامج لاهتماماته الذاتية.
- الطاقة التي يملكها لمواصلة الاستيعاب تبعا لحالته الصحية (مرض/ارهاق...)
- نوعية الصورة التي ينسجها الفرد حول ذاته (L'image de soi) ايجابية كانت أم سلبية وهي صورة تتأثر بنسبة ضخمة بنظرة الآخرين له خاصة الأنداد/المربي/أفراد العائلة...

-*- علاقة المتعلم بالمعرفة المدرسية
بينت العديد من المباحث المتصلة أساسا بأسباب الفشل المدرسي أن هناك علاقة وثيقة بين نسبة النجاح المدرسي وطبيعة العلاقة التي يقيمها الفرد مع المعرفة عامة LE SAVOIR والمقرر المؤسسة التعليمية بصفة أخص وهي علاقة تؤسس منذ الصغر وتغذيها عدة عوامل ثقافية اجتماعية ومؤسساتية (التصورات التي تنسج حول مادة معينة/صلتها بآفاق التشغيل/الضارب المخصص لها خلال التقييم المدرسي).

يعرف بارنار شارلو B. Charlot (1992) العلاقة بالمعرفة "بمجموع الصور والانتظارات والأحكام المتعلقة في الآن نفسه بالمعنى والوظيفة الاجتماعية للمعرفة والمؤسسة التعليمية والمقرر المؤسسة التعليمية والوضعية التعليمية والفرد ذاته..."

ونهتم بهذا الأمر المفهوم ضمن هذا الأمر الميدان (البيداغوجيا الفارقية) لنتسائل عن طبيعة تلك العلاقات التي يقيمها المتعلم إزاء المقرر المؤسسة التعليمية قصد تعديدها أو تطويرها لتحسين المردود المدرسي للمتعلمين.

-*- العتبة القصوى للقيادة
Le seuil de guidage
أبرز علم النفس الفارقي أن جميع فرد يتحمل درجة معينة من القيادة أثناء عمليات الاستيعاب بإذ أنه يرفض خلال هذا الأمر المسار تجاوز عتبة قصوى للقيادة من قبل الآخرين (معلم/أستاذ/ولي...)
وعلى هذا الأمر الأساس بالإمكان تصنيف وضعيات التدريس بحسب النسب التي تشترطها في القيادة والتبعية:
- الوضعية الجماعية (تدريس جماعي) وهي وضعية تستوجب نسبة ضعيفة من القيادة بإذ يشعر جميع تلميذ أنه غير مراقب بصفة مباشرة.
- الوضعيات التفاعلية (عمل مجموعي) وهي وضعيات تستوجب نسب متوسطة من القيادة.
- الوضعيات الإفرادية: وهي وضعيات تستوجب نسب مرتفعة من القيادة.

-*- التاريخ المدرسي للتلميذ
لجميع تلميذ تاريخ مدرسي خاص به (نجاح/فشل/نوعية الدراسة التي تلقاها/نوعية المعلمين والأساتذة الذين تعامل معهم...) يؤثر بصفة ضخمة في نسبة نـجاحه أو إخفـاقه في دراسته.

ب - مجلوبات علم نفس الاستيعاب:
Psy. De l'apprentissage
علم نفس الاستيعاب هو فرع من فروع علم النفس يهتم بدراسة طبيعة الاستيعاب عند الإنسان والحيوان قصد تحديد مفاهيمه وخصائصه وشروطه...

ويختلف الاستيعاب Apprentissage - من إذ أنه مفهوم حديث  ظهر في أواخر القرن التاسع عشر - عن مفهوم المعرفة Connaissance وهو مفهوم سابق يعود إلى أفلاطون (347- 427 ق م).

والاستيعاب ظاهرة معقدة تتفاعل فيها عدة عوامل داخلية مثل التحفز/طبيعة الشامات المعرفية/الاستراتيجيات المعتمدة/الذاكرة...) وخارجية (المثيرات البيئية/التدريس/التدعيم...) ولاشك أن للتعليم عدة تعاريف اختلفت بحسب النظريات أو المدارس السيكولوجية التي اهتمت بتفسير تلك الظاهرة. وسنكتفي هنا بالتعرض إلى جملة من المدارس التي تساعدنا على فهم الاختلافات بين الأفراد خلال عمليات الاستيعاب.

* النظرية البنائية لبياجيه Piaget
تؤكد تلك النظرية على أن الاستيعاب لا يتم بصفة تراكمية بل عن طريق التعديل المتواصل للشامات المعرفية للفرد أي مختلف التحولات النوعية التي تطرأ على البنى الذهنية للمتعلم. ويخضع هذا الأمر التطور إلى عدة قوانين... وهو عبارة عن سلسلة لا متناهية من التوازن وانعدام التوازن يقول بياجيه في هذا الأمر الصدد: "التطور هو عملية تدريجية للتوازن، هو انتقال دائم من حالة توازن دنيا إلى حالة توازن أرقى... ومن هذا الأمر المنظار بالإمكان القول بأن التطور الذهني عملية بنائية مستمرة كعملية بناء عمارة شامخة تزداد صحة ومتانة مع جميع حجارة حديثة."

والجـدير بالمـلاحظة أن عمـلية المـوازنة هـذه تمتاز بخـاصية جعلت بياجيه ينعتها بالموازنة المضيفة L'équilibration majorante لنستمع إلى بيـاجيه إذ يقــول في هـذا الصـدد: "... وخلاصة قولي فإن الموازنة المعرفية هي موازنة مضيفة وأعني بذلك أن انعدام التوازن لا يعود بالفرد إلى الشكل السابق من التوازن بل إلى شكل معارف حديثة ومتقدمة قياسا بالموازنة السابقة."

ونستنتج مـن هـذه النظرية أن التعـلم يستـوجب النشـاط الذاتي للمتعـلم إلى أن يدخل في صراع معرفي Conflit cognitif يرتقي به إلى مستوى آخر من الاستيعاب والتكيف...

* النظرية التفاعلية الاجتماعية لدواز Doise
تؤكد تلك النظرية على أن الاستيعاب لا يتم عن طريق الصراع المعرفي فحسب بل يتم بصفة أفضل داخل المجموعة وذلك عن طريق الصراعـات الاجتماعية المعرفية Les conflits sociocognitifs
(راجـع في هذا الأمر الصدد أعمال Doise وMugny وAnne-Perret Clerment).

وقد أبرزت تلك المجموعة (مدرسة جينيف – سويسرا) من خلال مباحثها أن دينامية التطور المعرفي تكون أفضل داخل وضعيات التفاعل الاجتماعي تلك التي تحمل جميع مشارك في الصراع على ابداء آرائه أو تنسيق جهوده مع الآخرين الشيء الذي يمكنه من التطور المعرفي.

ويخضع الصراع المعرفي الاجتماعي إلى عدة شروط نذكر منها:
- اكتساب الحد الأدنى من المعارف المتصلة بموضوع الصراع
- وجود نسبة من الاختلافات بين آراء الأفراد المشاركة في الصراع.
- التقارب العمري بين الأفراد المشاركين
- تنظيم المشاركة (تطوير الصراع/تنسيق الأفكار/حوصلة الحاصلات)

* المؤسسة التعليمية العرفانية
Le cognitivisme
العرفانية تيار حديث في علم نفس الاستيعاب يهتم بوصف الحالات الداخلية التي تجري خلال سيرورة الاستيعاب وذلك بتوظيف نموذج معالجة البيانات "المعلوماتية".

وقد نشأ هذا الأمر التيار ضد المؤسسة التعليمية السلوكية التي تركز اهتماماتها على السلوكات الخارجية القابلة للملاحظة والقيس والتكميم... في حين يرى متزعمو هذا الأمر الاتجاه (العرفانية) أن الفرد يتصرف وفق إرادته وتحركه دوافع داخلية كالرغبة والحاجات والمشاعر والانتظارات...

ومن ناحية ثانية اقتنع أصحاب هذا الأمر الاتجاه أن الفشل المدرسي لا يفسر باستمرار بالرجوع إلى العوامل الخارجية بل إلى طبيعة البنيات المعرفية للفرد والاستراتيجيات التي يعتمدها في التعامل مع المعارف (أجهزة الاستقبال/التحليل/الخزن والاسترجاع...).
ويميز العرفانيون بين نوعين اثنين من المعارف:
• المعارف/المفاهيم:
Les connaissances déclaratives

• التمشيات المعرفية:
Les connaissances procédurales

ومن الاستنتاجات التربوية لتلك المؤسسة التعليمية نذكر ما يلي:
- ضرورة تشخيص الصعوبات الفعلية التي يواجهها المتعلم (تصورات/عوائق/ثغرات..).
- محاولة شرح وتفسير لمختلف العوائق التي يواجهها المتعلم (طرح فرضيات والتثبت منها).
- التعرف إلى الأنماط و/أو التمشيات المعرفية المستخدمة من قبل الفرد المتعلم وأخذها بعين الاعتبار خلال بناء وضعيات الاستيعاب والتدريس.
- بناء وضعيات تعليمية تعلمية وفق الصعوبات والأخطاء الملاحظة.
- تنويع الطرق والأساليب المستخدمة في التدريس.

ج - مجلوبات التعلمية:
La didactique
يعرف ميشال ديفلاي هذا الأمر المعرفة التربوي الحديث (1973) كالآتي: تهتم التعلمية بدراسة التفاعلات التي تربط بين جميع من المدرس والمتعلم والمعرفة داخل مجال مفاهيمي معين وذلك قصد تسهيل عملية تملك المعرفة من قبل المتعلمين.

فالتعلمية كعلم حديث مستقل (له جهاز مفاهيمي خاص به/ومنهجية/مجال معرفي محدد...) تقترح على نفسهـا موضوعـا جـد متشعب يتمـثل في الكشـف عن مختلف الايواليات Les mécanismes المستخدمة من قبل الفرد المتعلم لتملك المفاهيم والمعارف المتصلة بمجال معرفي معين... أي دراسة مختلف القضايا التي يطرحها تدريس مادة معرفية محددة ذلك أن المباحث ضمن هذا الأمر الميدان أكدت أن المتعلم يواجه صعوبات وعوائق لا يواجهها حين ينتقل إلى مجال معرفي آخر وبالتالي فإن تدريس المقررات الاجتماعية مثلا يختلف في طرقه وأساليبه عن تلك الاستراتيجيات المعتمدة في تدريس المقررات العلمية.

وتشير مباحث التعلمية أن تلك القضايا جد متشعبة ولا تتصل بالمتعلم فقط بل تتصل بمختلف أقطاب الوضعية التربوية مثل المعرفة المؤسسة التعليمية/المربي/المؤسسة التربوية/المحيط الاجتماعي الثقافي... وقد استطاعت التعلمية رغم قصر تاريخها من إلقاء الضوء على عدة مسائل هامة ظلت مهمشة لدى العديد من المربين إذ ساد الاعتقاد بأن التدريس يفضي بصفة طبيعية إلى الاستيعاب وأنه يكفي معرفة المقرر لنتمكن من تدريسها بنجاعة وفاعلية.

ومن بين المفاهيم التي أنتجتها التعلمية سنتعرض إلى أهمها والتي بالإمكان أن تساعدنا على إرساء بيداغوجيا فارقية مثل:
• مفهوم التصورات: Les conceptions des apprenants
أكدت مباحث التعلمية أن المتعلم لا يأتي إلى المؤسسة التعليمية وعقله كلوحة بيضاء بل محملا بعدة تصورات ما قبل العلمية لا تساعده في أغلبها على تملك المعارف العلمية. يعرف الباحث الفرنسي J. Migné التصور كالآتي: "يتمثل التصور في الطريقة الفريدة التي يستخدم بها فرد معين معارفه السابقة في وضع وزمان محددين... فهو مثال شخصي لتنظيم المعارف داخل وضعية محددة.

• مفهوم العوائق التعليمية
Les obstacles didactiques
وتتمثل في مختلف العوائق التي يواجهها الفرد خلال عمليات تملك المعارف الجديدة. وقد استنبطت التعلمية هذا الأمر المفهوم من العوائق الابستيمولوجية لباشلار (راجع تلك العوائق عند باشلار). مثل العوائق المرتبطة بالمعرفة العامة/العوائق الاحيائية/الحسية/الغائية/اللغوية...

• مفهوم العقد التعلمي التعليمي
Le contract didactique
ويتمثل هذا الأمر العقد في مختلف الاتفاقيات التي تربط مختلف الأطراف المتدخلة في العمليات التربوية (أستاذ/تلميذ/مؤسسة تربوية/ولي....) بصفة صريحة أو ضمنية لحسن سير العملية التربوية.

والعقد يسبق الوضعية التعليمية التعلمية ويحددها. ذلك أن جميع طرف من الأطراف يضطلع بالأدوار المتصلة بوظيفته حسب ما هو "متعارف عليه". فالمربي مثلا يضطلع بدور التدريس أي التدريس والمتعلم يضطلع بدور المتلقي وهو دور يتناقض مع الفلسفة البنائية للتعلم ولا يسمح في وفير من الأحيان بإعطاء المتعلم فرصة الاستيعاب الذاتي بل والمساهمة الفعالة في بناء المفاهيم وإثرائها الشيء الذي جعل بروسو Brousseau يتحدث عن مفهوم حديث وهو انتقال المسؤولية التعلمية أي التنازل التعلمي La dévolution didactique وهو مفهوم يحد من سلطة المدرس داخل السداسي.
فهل يقبل المدرسون مثل هذا الأمر الانسحاب المؤقت والتنازل عن السلطة؟

• مفهوم الغاية العائق
L'objectif –Obstacle 
يعود استنباط هذا الأمر المفهوم إلى الباحث الفرنسي
 J. L. Martinand (1986)
 في محاولة توفيقية بين مفهومين اثنين:
- مفهوم الغاية
- مفهوم العائق التعليمي

والغاية العـائق مشروع بيداغوجي يجد منطلقاته في الخصائص المعرفية للمتعلم (تصورات/عوائق/استراتيجيات....) والمستويات المعرفية التي بالإمكان له أن يرتقي إليها.
ولاشك أن قراءة زلات المتعلمين قراءة تحليلية تساعد المتعلم والمربي على تحديد أفضل للأهداف انطلاقا من الصعوبات الفعلية و/أو العوائق التي يواجهها تلاميذه.

III - الأهداف والغايات

انطلاقا من المبادئ التي ترتكز عليها البيداغوجيا الفارقية نستنتج عدة غايات وهي في أغلبها مشروعة وفي توافق مع طموحات الفرد والمجتمع. وبالإمكان ان نصنفها كالآتي:

1) غايات تتصل بالمحتويات والطرق والأساليب
-*- تطوير المحتويات المعرفية (المناهج المدرسية) بما يتلاءم مع الأهداف والغايات.
-*- تنويع الطرق والأساليب واختيار أنجعها وذلك بحسب الأهداف المرسومة.

2) غايات ذات طابع علائقي (العلاقة التربوية)
-*- تطوير العلاقة بين مختلف أقطاب العملية التربوية خاصة: معلم - أستاذ/تلاميذ.
-*- تحديد مختلف المهام المتصلة بالأطراف المتدخلة في العمل التربوي.
-*- تنسيق الجهود بين تلك الأطراف (تلميذ/معلم/ولي/مؤسسة/أدوار ثقافية...)

3) غايات ذات طابع مؤسساتي
-*- إعادة تنظيم العمل المدرسي (عمل جماعي/مجموعي/فردي...)
-*- إيجاد أوفر مرونة في التوقيت والأدوار المتصلة بعمل المدرس أو المربي.
-*- إعادة النظر في الطرق المعتمدة في التقييم.

4) غايات تتصل بالانتاجية
-*- الحد من ظاهرة الفشل المدرسي.
-*- التقليص من ظاهرة الهدر Déperdition.
-*- تطوير نوعية الإنتاج (ملامح خريجي المؤسسة التعليمية/الكلية...)

5) غايات ذات طابع تربوي/قيمي/اجتماعي...
-*- اعتبار شخصية المتعلم في جميع أبعادها المعرفية/الوللغايةنية/الاجتماعية.
-*- إكساب قدرة أفضل على التكيف الاجتماعي والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات.
-*- تطوير قدرة المتعلم على تحمل المسؤولية والاستقلالية والترشد الذاتي.
-*- خلق دافعية أفضل للعمل المدرسي والارتقاء الاجتماعي.
-*- تحويل القدرات إلى كفايات (أي إقدارهم على توظيف ما يكتسبونه من معارف في حياتهم اليومية).

الجانب التطبيقي

البيداغوجيا الفارقية بين النظري والتطبيقي:
رغم قناعات أغلب المربين بالأسس النظرية لتلك المقاربة فلسفية كانت أم علمية فإن عددهم يبقى ضئيلا في تطبيق تلك المبادئ على المستوى الميداني.

وفي بحث قامت به وزارة التنشئة الفرنسية أبرز أن أوفر من %90 من المربين (معلمين أو أساتذة) مقتنعون بجدوى البيداغوجيا الفارقية إلا ان نسبة الممارسين الفعليين لا تتعدى %5.

 ولا شك أن الأسباب عديدة ومتنوعة، منها ما يتصل بالتلاميذ من إذ عددهم بالسداسي وتفاوت صعوباتهم وتنوعها ومنها ما يتصل بالمؤسسة التربوية والمدرس أو المربي... ولمزيد تفعيل تلك المبادئ السامية رأينا من الأنسب استعراض مختلف التجارب السابقة على المستوى الميداني والتي قام بها رواد البيداغوجيا الفارقية في العالم عبر التاريخ:

I - رواد البيداغوجيا الفارقية عبر التاريخ

أ - طريقة دالتون:
Le plan Dalton
عرفت تلك التجربة بنظام دالتون نسبة للضاحية التي وقعت فيها (DALTON) وتوجد في مدينة MASSACHUSETTES  في الولايات المتحدة الامريكية. وذلك ما بين سنة 1910 إلى سنة 1920 من قبل المربية HELENE PARKUREST وتقوم تلك التجربة على المبادئ التالية:
-*- منح جميع تلميذ فرص العمل والتقدم في المنهاج حسب قدراته الحقيقية (مراعاة صعوباته الذاتية/مراعاة نسقه الخاص في الاستيعاب...).
-*- إيصال جميع التلاميذ إلى اهداف مشتركة.
-*- اعتماد مبدإ التعاقد في العمل بين جميع من التلميذ والمدرس.
ويقع تنظيم العمل حسب النظام التالي بعد تقسيم التلاميذ إلى أفواج حسب حاجاتهم أو صعوباتهم...:
- الفترة الأولى: تحديد الأهداف وأساليب العمل (30 دقيقة).
- الفترة الثانية: عمل ضمن الورشات (مختلف المقررات أو المحتويات) (2 س و30 دق)
- الفترة الثالثة: مناقشة الصعوبات والمخارج (30 دق).

ب - الاستيعاب الإفرادي: مدرسة MAIL بجينيف (سويسرا):
وهي تجربة استـوحـاها المربي ROBERT DOTTRENS من التجـربة السـابقة وقد قام بها في مدرسة ابتدائية سنة 1936 مـحاولا التوفـيق بين التعـليم الـجمعي (Enseignement Collectif) والتعـليم الافـرادي (Enseignement Individualisé).

وتقوم تلك التجربة على الخطوات التالية:
- إلقاء الحصة على جميع تلاميذ السداسي من قبل المدرس أو المربي.
- إجراء تقييم أولي تشخيصي ذي طابع تكويني.
- عمل فردي (إصلاح الأخطاء/دعم المكتسبات...).
- تقييم المكتسبات الحاصلة من قبل المدرس قصد أخذ القرارات الملائمة.
- عمل فردي انطلاقا من مدونة السداسي
(Le fichier de la classe)
وتحتوي تلك المدونة على مجموعة من التطبيقات المتنوعة نذكر منها:
- تمارين دعم تتصل بنوعية زلات التلاميذ
(Fiches de récupération)
- تمارين للتكوين وإثراء المكتسبات
(Fiches d'enrichissement)
- تمارين ووضعيات للتعلم الذاتي.
(Fiches d'auto-instruction)

ج - طريقة فرايناي:

C  FREINET
تستهدف تجربة فراناي في التفريق البيداغوجي تدريب المتعلمين على الاستقلالية Autonomie والتكفل الذاتي بعملية الاستيعاب (الاستيعاب الذاتي) وذلك من خلال تشجيع المبادرات الفردية والعمل المجموعي (ضمن الأفرقة) وذلك بصفة تلقائية وتطوعية واختيارية عبر انجاز العديد من الأنشطة والتي نذكر منها:
- كتابة "النص الحر" Le texte libre
- المراسلة المدرسية La correspondance scolaire
- انجاز الدراسات والزيارات الميدانية
- العناية بالتعاضدية المدرسية La Coopérative Scolaire
- اعداد النشريات والمجلات المدرسية
- انجاز مذكرات تعلمية متنوعة (بصفة تعاقدية)

والجدير بالملاحظة أن تلاميذ فراناي يمسكون بطاقات شخصية لمتابعة نتائجهم المدرسية وتطورها بصفة مستمرة.
 أما مدونة فراناي فهي تشتمل على أربعة أنماط من المذكرات:
• مذكرات حسب الطلب Les fiches- demandes
 مذكرات الأجوبة Les fiches-réponses
 مذكرات روائز Les fiches-tests
 مذكرات اصلاح الروائز Les fiches-corrections

II - الآليات المعتمدة في البيداغوجيا الفارقية

تتمحور الآليات المعتمدة في البيداغوجيا الفارقية حول ثلاثة أقطاب أساسية:
الأفراد/المعارف/المؤسسة.

1 - الأفراد

ويقصد بهم مجموعة المعلمين والمتعلمين في علاقتهم بالمعرفة والطرق المعتمدة في التدريس:
• اختلاف المتعلمين من إذ مكتسباتهم السابقة/قدراتهم على الاستيعاب/مدى تحفزهم/الأساليب والاستراتيجيات التي يعتمدونها في الاستيعاب...
• اختلاف المدرسين (معلمين أو أساتذة) في علاقتهم بالمقرر المؤسسة التعليمية/مدى سيطرتهم على المفاهيم/تكوينهم البيداغوجي...

2 - المعرفة