المكتبة/السنة الأولى ابتدائي/الحرب العالمية الأولى (أسباب الحرب وأطوارها ومراحلها ونتائجها)

الحرب العالمية الأولى (أسباب الحرب وأطوارها ومراحلها ونتائجها)

24‏/4‏/2017

الموسوعة المدرسية - بحث حول الحرب العالمية الأولى (أسباب الحرب وأطوارها ومراحلها ونتائجها)

الإمبرياليّة الاستعماريّة والأزمة الأوروبيّة

 الحرب العالميّة الأولى 

بحث حول الحرب العالميّة الأولى

بحث حول أسباب الحرب العالميّة الأولى


بحث حول أطوارالحرب العالميّة الأولى

بحث حول مراحل الحرب العالميّة الأولى

بحث حول نتائج الحرب العالميّة الأولى



اندلعت الحرب العالميّة في أوروبا التي بلغت درجة عالية من الرقيّ والازدهار المادي، وكان من المعتقد أن لا تتجاوز تلك الحرب أوفر من ستة أسابيع غير أنّها استمرت أوفر من أربع سنوات استعملت فيها أحدث الوسائل الفنيّة وترتبت عنها خسائر ماديّة وبشريّة ضخمة.


I- أسباب الحرب :


1)- الأسباب الغير المباشرة :
تتمثل الأسباب غير المباشرة في المحالفات الدوليّة التي كانت نتيجة للنزاع المستمرّ بين الدول الامبرياليّة فقامت ألمانيا بتكوين عدّة أحلاف وسارت على منوالها فرنسا.

أ- الأحلاف الألمانيّة :
أخذت ألمانيا تسعى إلى عقد عدة أحلاف دولية وذلك لعزل فرنسا وروسيا، من ذلك :

- الحلف الثنائي (1878) : وقع هذا الأمر الحلف بين ألمانيا والنمسا لمواجهة الخطر الروسي وقد نصّ على وقوف النمسا على الحياد في حالة نشوب حرب بين ألمانيا وفرنسا.

- الحلف الثلاثي (ماي 1882) : تمكن بسمارك بدهائه من أن يجمع شمل النمسا وإيطاليا على صعيد واحد رغم ما كان بينهما من تضارب ضخم في المصالح الحيوية، وقد ساعدت الظروف بسمارك إثر ترفيع فرنسا لرسومها القمرقية ممّا ضايق الصادرات الإيطاليّة فنقمت إيطاليا على فرنسا وازدادت سخطا عليها عند احتلال تونس فانضمت إيطاليا إلى النمسا وألمانيا فتكوّن الحلف الثلاثي.

- الحلف النمساوي الروماني (1883) : تكون هذا الأمر الحلف وانضمت إليه كلّ من تركيا وبلغاريا.

ب- الأحلاف الفرنسيّة :
شعرت فرنسا بعزلتها السياسيّة فقامت بتكثيف علاقاتها الاقتصاديّة مع روسيا وإنقلترا ممّا مهد لعقد عدّة اتفاقيات منها :

- التحالف الثنائي بين فرنسا وروسيا (1893) : فتحت السوق الماليّة بباريس أبوابها في وجه روسيا ومنحت البنوك الفرنسيّة قروضا ضخمة لروسيا ووقعت اتفاقيّة تجاريّة بين الدولتين فتدعّمت العلاقات بينهما الأمر الذي مهّد لتوقيع الاتفاق الودّي (1891) الذي تحوّل إلى حلف ثنائي بين فرنسا وروسيا سنة 1893 يقضي بمساعدة بعضهما بعضا في حالة تعرض أحديهما لهجوم ألمانيا.

- الاتفاق الودّي بين روسيا وإنقلترا (1904) : اتفقت فرنسا وإنقلترا فوقعتا على "الاتفاق الودّي" الذي نصّ على تبادل الامتيازات بين البلدين وتحديد مناطق نفوذ كلّ منهما : فاعترفت فرنسا بمركز إنقلترا الخاصّ في مصر، وأطلقت إنقلترا يد فرنسا في المغرب الأقصى.

- الاتفاق الروسي الإنقليزي (1907) : استطاعت فرنسا أن تقرب بين حليفتيها روسيا وإنقلترا فتمّ إبرام معاهدة أوت 1907 التي حدّدت مناطق نفوذ كلّ منهما في إيران وأفغانستان والتبت إذ كانت مصالح كلّ من روسيا وإنقلترا متضاربة.
وقد شملت المحالفات الفرنسيّة زيادة على ذلك كلّ من صربيا والبرتغال، فأصبحت أوروبا بعد تلك السلسلة من المحالفات منقسمة إلى معسكرين متنازعين، وأضحى كلّ نزاع بين إحدى دول الجبهة الواحدة مع أي دولة من الجبهة الأخرى يؤدي حتما إلى اندلاع الحرب الشاملة، وأصبح السلم رهينة التوازن بين المعسكرين والمحافظة على الوضع الراهن. غير أن ذلك كان عسير التحقيق لكثرة المنازعات المستمرة بين الدول الأوروبيّة.



ج- المنازعات المستمرّة :
اشتدّت المنازعات الأوروبيّة وتعدّدت تحت تأثير الدوافع العاطفيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، من ذلك استرجاع منطقتي الألزاس واللورين.

- النزاع الفرنسي الألماني : سعت فرنسا إلى الأخذ بالثأر من ألمانيا إثر هزيمتها سنة 1870 وإلى استرجاع منطقتي الألزاس واللورين.

- النزاع الإنقليزي الألماني : احتدّت المنافسة التجاريّة بين الدولتين وازدادت المزاحمة بين القوتين البحريتين.

- النزاع الألماني الروسي : تضاربت المصالح بين ألمانيا وروسيا في البحر الأبيض المتوسط وشعرت روسيا بخطر السياسة الألمانيّة على مصالحها الاقتصاديّة والسياسيّة خاصة إثر استئثار ألمانيا من السلطان العثماني بامتياز مدّ الخطّ الحديدي (برلين اسطنبول بغداد).

- النزاع النمساوي الروسي : تعارضت أطماع كلّ من روسيا والنمسا في بلاد البلقان، فقد كانت روسيا تعتبر بلاد البلقان مركزا هامّا لنفوذها السياسي، فساندت الحركات الاستقلالية للشعوب السلافية التي كانت تخضع لسيطرة الإمبراطورية النمساويّة المجريّة فأدّى هذا الأمر النزاع إلى نشوب الحرب العالميّة الأولى.


2)- الأسباب المباشرة :


تمثلت الأسباب المباشرة لاندلاع الحرب في مقتل ولي عهد النمسا من طرف بوسني ينتمي إلى جمعيّة سرية صربية "اليد السوداء" فاتخذت النمسا من تلك الحادثة ذريعة للقضاء على صربيا فاندلعت الحرب.

أ- مقتل وليّ عهد النمسا :
تمكنت فرنسا من ضم ولايتي البوسنة والهرسك ضما قانونيا رغم معارضة صربيا وذلك خلال سنة 1908 فقامت المظاهرات في صربيا احتجاجا على ذلك وكون الوطنيون الصربيون في البوسنة والهرسك جمعيات سرية (اليد السوداء، الاتحاد أو الموت) وذلك لمقاومة الاحتلال النمساوي. وتمكن طالب بوسني "برنتزيب" (Printsip) ينتمي إلى جمعية اليد السوداء من اغتيال ولي عهد النمسا الارشيدوق فرنسوا فرديناند (François – Ferdinand) وزوجته في مدينة سراجيغو (Sarajevo) (28 جوان 1914) فكان ذلك سببا مباشرا لاندلاع الحرب.

ب- اندلاع الحرب :
اتهمت الحكومة النمساويّة صربيا بتشجيع الجمعيات السريّة التي قامت بعدّة عمليات إرهابيّة بغية القضاء على النفوذ النمساوي في ولايتي البوسنة والهرسك. وانتهزت النمسا تلك الفرصة للقضاء على صربيا. وساندتها في هذا الأمر الموقف ألمانيا التي كانت ترى ضرورة محافظة على النمسا على وحدتها بينما عارضتها كلّ من فرنسا وروسيا التي لم ترض باضمحلال صربيا نظرا لأنّها المحرّك الأساسي لسياستها السلافية في البلقان.
فوجهت النمسا يوم 23 جويلية 1914 إنذارا إلى صربيا تطلب فيه منها المواقفة على الشروط التالية خلال 48 ساعة :

- أن تتعهّد صربيا بالتحقيق النزيه العاجل في تلك الجريمة.

- أن تسلّط صربيا على مقترفي تلك الجريمة عقابا صارما.

- أن تتوقّف الدعاية الصربيّة ضّد النمسا في الصحف والمدارس.

- أن تقوم صربيا بحلّ الجمعيات السريّة وتطرد الموظفين الصربيين المناصرين لتلك الدعاية.

- أن تسمح لجملة من القضاة النمساويين بالمشاركة في محاكمة المتّهمين في قضية الاغتيال ومعاقبتهم.

قبلت صربيا واستجابت في الميعاد المحدّد، بعد استشارة روسيا، لأغلب المطالب باستثناء المطلب الأخير الذي يقضي بتشريك جملة من النمساويين في الإجراءات القضائيّة. فقد اعتبرت صربيا هذا الأمر المطلب تدخّلا سافرا في شؤونها الداخليّة يمسّ باستقلالها، لذا رفضته وطلبت عرض القضيّة على محكمة العدل الدوليّة بلاهاي متى لم تقتنع النمسا بوجهة نظرها.

رأت النمسا في هذا الأمر الردّ مماطلة متعمّدة الغرض منها حماية مرتكبي الجريمة فأعلنت الحرب على صربيا في 28 جويلية 1914 واجتاحت جيوشها الأراضي الصربيّة.

غير أن ما كان موقف الدول من هذا الأمر الإعلان؟


تتابعت الدول الأوروبيّة في إعلان الحرب، من ذلك :

- قامت روسيا بتعبئة جيوشها ووضعها على طول الحدود المتاخمة لألمانيا.

- اعتبرت ألمانيا التعبئة الروسيّة تهديدا مباشرا لها فوجهت إنذارا إلى روسيا تطلب فيه وقف التعبئة فورا، وطلبت من فرنسا تحديد موقفها بوضوح. ولما لم تتلق أجوبة مرضيّة أعلنت الحرب على روسيا في 1 أوت وعلى فرنسا يوم 3 أوت 1914.

- دخلت إنقلترا الحرب يوم 4 أوت 1914 إلى جانب فرنسا وروسيا ضدّ النمسا وألمانيا بعد خرق تلك الأخيرة حياد بلجيكا.

- رفضت إيطاليا بادئ الأمر الدخول في الحرب إلى جانب حليفيتها النمسا وألمانيا، وما لبثت أن أعلنت الحرب عليهما (ماي 1915) بمقتضى معاهدة سريّة أبرمت بلندن.

- تظاهرت الإمبراطورية العثمانية بالحياد بعد أن عقدت مع ألمانيا معاهدة سريّة (غرة أوت 1914) ولمّا استكملت استعدادها العسكري قامت بضرب الموانئ الروسيّة على البحر الأسود فردّت روسيا وأعلنت عليها الحرب وتبعتها كلّ من فرنسا وإنقلترا (5 نوفمبر 1914).

فتحولت الحرب إلى حرب عالميّة في فترة لم تتجاوز ثلاثة أشهر ونزلت جيوش الدول المتحالفة إلى ساحة القتال وكلّ منها يعتقد بأنّ الحق معه.


II- أطوار الحرب :


مرّت الحرب العالميّة الأولى منذ اندلاعها إلى نهايتها بعدّة مراحل كان فيها التفوّق بادئ الأمر لألمانيا وأنصارها، إلاّ أن دخول الولايات المتّحدة الحرب إلى جانب الحلفاء (فرنسا وإنقلترا وروسيا) أدّى إلى اختلال توازن القوى فتمكّن الحلفاء من التفوّق والانتصار وفرض معاهدة الصلح على ألمانيا (11 نوفمبر 1918).

1)- الطور الأول (أوت 1914 إلى نوفمبر 1914) :
حاول الألمان في هذا الأمر الطور تحقيق نصر وشيك وخاطف غير أن اتساع رقعة الحرب وصمود الحلفاء حال دون ذلك.

أ- الزحف الألماني :
 كانت خطّة "فون شلفين" (Von Schlieffen) ترمي إلى تحقيق نصر وشيك لألمانيا لا يتجاوز ثلاثة أسابيع، وذلك بالزحف غربا على فرنسا وتحطيم جيوشها، ثمّ بالتحوّل إلى الشرق لضرب الجيوش الروسيّة. وتنفيذا لتلك الخطّة زحفت الجيوش الألمانيّة على فرنسا في ثلاثة اتجاهات، "بلجيكا" و"لكسمبورغ" و"نانسي" فعجزت الجيوش الفرنسيّة والإنقليزية عن صدّ تلك الهجومات وأصبحت الجيوش الألمانيّة في أوائل سبتمبر على مسيرة 30 كم من باريس، لذا اضطرّت الحكومة الفرنسيّة إلى الانتقال إلى "بوردو".

ب- معركة المارن (La Marne) :
قام الفرنسيون بهجوم مضاد من 6 إلى 13 سبتمبر بقيادة المرشال "جوفر" (Joffre) الذي أحرز على نصر عظيم ضدّ الجيوش الألمانيّة في معركة "المارن" فتقهقر الألمان وضاع عليهم كلّ انتصار خاطف.

ج- معارك الخريف :
 حاول الجيش الألماني الوصول إلى بحر الشمال لمنع الجيوش الإنقليزية من النزول إلى البرّ، فاشتد التسابق بين ألمانيا وفرنسا وإنقلترا للسيطرة البحريّة.

وامتدّت جبهة القتال من الحدود السويسريّة إلى بحر الشمال، وقامت روسيا بهجوم على ولاية بروسيا الشرقيّة غير أن القائد الألماني "المرشال هندنبرغ" (Hindenburg) ألحق بالجيوش الروسيّة هزيمة ساحقة.

وأخذت رقعة الحرب تتّسع بانضمام اليابان إلى الحلفاء والإمبراطورية العثمانية إلى ألمانيا والنمسا فاضطرت روسيا إلى فتح جبهة حديثة في القوقاز، وقامت تركيا بغلق مضيقي البسفور والدردنيل فمنعت على روسيا الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

2)- الطور الثاني (نوفمبر 1914 ماس 1918) :
دخلت الحرب في هذا الأمر الطور مرحلة حديثة فقد فيها القادة العسكريون كلّ أمل في تحقيق انتصار خاطف فتحوّلت الحرب إلى حرب خنادق.
ضاع أمل القادة العسكريين في تحقيق أي نصر وشيك خاطف، فتحصّن المقاتلون في الخنادق ووراء المتاريس والأسلاك الشائكة وأصبح القتال صعبا يكلف المهاجم خسائر فادحة في العتاد والأرواح، وأصبحت الحياة لا تطاق من شدّة البرد وكثرة الوحل، وأضحى تموين الجيش من الإشكاليات الأساسيّة التي دفعت بالحكومة إلى التعبئة النفسيّة والاقتصاديّة للحرب. فازدادت الدعاية لرفع معنويات الشعوب وتحوّلت المعامل إلى مصانع للأسلحة فظهرت أسلحة حديثة كالدبابات والطائرات والغازات السامة...

ب- الحرب من 1915 إلى  1916 :
خاضت الجيوش المتقابلة في تلك الفترة عدّة معارك عسكريّة في مختلف الجبهات:

- الجبهة الشرقية : تراجعت روسيا عن مقاطعة غاليسيا النمساويّة (أوت 1915) وتقدّم الجيش الألماني فاحتلّ بولونيا وليتوانيا. وتمكن الجيش الروسي بقيادة بروسيلوف (Broussilov) سنة 1916 من الانتصار على الجيوش النمساويّة المجريّة فشجّع هذا الأمر الانتصار رومانيا على الانضمام إلى الحلفاء (27 أوت 1916) فقامت بغزو ترانسلفانيا. وردت ألمانيا على هذا الأمر الهجوم فاحتلّت بوخارست بمساعدة بلغاريا ووضع الألمان أيديهم على ثروة رومانيا الغنية بآبار البترول ومزارع الحبوب.

- الجبهة الغربية : حاول الطرفان المتقابلان منذ سنة 1915 فتح ثغرات في تلك الجبهة غير أن بدون جدوى، وقام الألمان في فيفري 1916 بضرب الجيش الفرنسي في "فردان" (Verdun) إذ تواصل الهجوم ستة أشهر غير أن المارشال "بيتان" (Petain) تمكّن من الصمود فتراجع الألمان وتكبّد الجانبان خسائر بشريّة بلغت أوفر من مليون قتيل.
وقام الفرنسيون والإنقليز في أوائل جوان 1916 بخوض معركة السوم (Somme) فتقهقر فيها الألمان بضعة أميال فقط وتكبّد الطرفان خسائر بشريّة بلغت ما يقرب من مليون ونصف قتيل.

- الجبهة الجنوبية : سعت إنقلترا وفرنسا إلى تخفيف الضغط على روسيا فحاولتا خرق مضيق الدردنيل سنة 1915 غير أنّهما فشلتا.

واستطاعت إنقلترا صدّ هجومين عثمانيين على قناة السويس سنتي 1915 و1916 وتمكّنت من إغراء حسين شريف مكّة بشق عصا الطاعة على السلطان العثماني فأعلن شريف مكّة استقلال الحجاز وخاض الحرب ضدّ الأتراك بمساعدة "لورانس" عميل إنقلترا.

- الحرب البحريّة : احتفظ الأسطول الإنقليزي بسيادته على البحر فضرب حصارا شديدا على سواحل ألمانيا، واعتبرت إنقلترا كلّ البضائع المشحونة إلى ألمانيا على البواخر التجاريّة للدول المحايدة مواد حربيّة، فأعلنت ألمانيا بدورها أنّ المياه المحيطة بالجزر البريطانيّة تعتبر منطقة حرب.

قام الألمان بإغراق عدد ضخم من البواخر التجاريّة وبواخر الركاب فأثار هذا الأمر احتجاج الدول المحايدة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وخرج الأسطول الألماني يوم 31 ماي 1916 من مكمنه في قاعدته بقناة كيال (Kiel) لمنازلة الأسطول البريطاني في معركة "جتلند" (Jutland) فتكبد الإنقليز خسائر فادحة بلغت ضعف خسائر ألمانيا ومع هذا فقد حافظ الأسطول البريطاني على سيادته في البحر.

ج- الحرب سنة  1917 :
تعتبر تلك العام من أصعب سنوات الحرب إذ اتخذ اليأس يدبّ في صفوف المتقاتلين وأصبحت الشعوب تعاني أزمات نفسيّة حادّة، وقد امتازت تلك الفترة العصيبة بعدّة أحداث هامة هي :

- حرب الغوّاصات : شدّدت إنقلترا الحصار البحري على ألمانيا ووسّعت فيه، فأعلنت تلك الأخيرة في فيفري 1917 عن إطلاق حرب الغواصات من كلّ قيد فألحقت بالإنقليز خسائر هامّة أدّت إلى نقص في المقررات الغذائيّة، ممّا دفع بالحكومة الإنقليزية إلى تطبيق سياسة التقسيط. وتمكن الأسطول الإنقليزي في خاتمة المطاف من التغلّب على تلك المصاعب باستعمال نظام القوافل ووضع المتفجّرات في أعماق البحر والإسراع في صناعة البواخر.

- دخول الولايات المتحدة الحرب : أثار إطلاق حرب الغواصات الألمانيّة غضب الولايات المتحدة فاحتج الرئيس "ولسن" (Wilson) على إغراق البواخر التجاريّة المحايدة وقطع في فيفري 1917 العلاقات مع ألمانيا وأعلن عليها الحرب يوم 6 أفريل 1917 ووضع موارد بلاده تحت تصرّف الحلفاء.

- انسحاب روسيا من الحرب : قامت الثورة الروسيّة في نوفمبر 1917 وسيطر الشيوعيون على الحكم فقرّروا الانسحاب من الحرب وعقدوا هدنة مع دولتي الوسط يوم 17 ديسمبر 1917 فمكّن ذلك ألمانيا من تحويل قسم ضخم من جيوشها في الجبهة الشرقيّة إلى الجبهة الغربيّة التي حقّق فيها الألمان تفوّقا ملحوظا على الحلفاء خاصّة بعد صدّ الهجوم الفرنسي على نهر الاين (Aisne) في أكتوبر 1917. فأصبح توازن القوى في نهاية 1917 لصالح ألمانيا رغم دخول الولايات المتحدة الحرب.


3)- الطور الثالث : نهاية الحرب :
تغيرت ظروف القتال بصفة ملحوظة خاصة بعد ظهور الدبابات واستعمال الطائرات على نطاق واسع ومشاركة الولايات المتحدة في الحرب بصفة أوفر جدية.

أ- الهجوم الألماني :
شرع الألمان في مارس 1918 في شنّ هجوم عنيف جمعوا له جميع طاقاتهم وذلك لإرغام الحلفاء على طلب الصلح فوقع تحطيم الجيش البريطاني الخامس وتراجع الإنقليز إلى أن "أميان" (Amiens) فاضطر الحلفاء إلى وضع جيوشهم البريّة تحت قيادة المارشال فوش (Foch) وذلك في 28 مارس 1918 فتمكّن من صدّ هجوم ألماني على "أراس" (Arras) "وايبري" (Ypres) وفشلت كلّ المحاولات الألمانيّة الأخرى.

ب- هجوم الحلفاء :
بدأ الحلفاء في تنسيق هجوماتهم بعد أن استنفذت ألمانيا كلّ طاقاتها الهجومية، من ذلك :

- شرعت فرنسا يوم 18 جويلية 1918 في شنّ سلسلة من الهجومات العنيفة على ألمانيا.

- قامت إنقلترا بشنّ هجوم مفاجئ قرب أميان أدّى إلى انهيار الخطوط الأماميّة الألمانية وبدأ الجيش الألماني ينسحب في شهر نوفمبر عن جزء ضخم من المناطق الفرنسيّة المحتلة.

- انتصرت جيوش الحلفاء في البلقان على البلغاريين (سبتمبر 1918).

- كبّدت الجيوش الإيطاليّة النمسا خسائر فادحة (24 أكتوبر 1918).

- تمكّن الحلفاء بمساعدة العرب من ضرب الجيوش العثمانيّة في سوريا والعراق ومن السيطرة على دمشق وبيروت وحلب (أكتوبر 1918) وأصبحت الأستانة مهدّدة من طرف الجيوش الإنقليزية.

ج- معاهدات الصلح :
حقّق الحلفاء انتصارات عظيمة في مختلف الجبهات أدّت إلى استسلام أعدائهم، من ذلك :

- عقدت بلغاريا الهدنة مع الحلفاء (29 سبتمبر 1918) وتبعتها الدولة العثمانيّة (30 أكتوبر 1918).

- وقعت النمسا الهدنة مع الحلفاء ( نوفمبر 1918).

- واضطرت ألمانيا فوقعت الهدنة مع الحلفاء يوم 11 نوفمبر 1918 برتوند (Rethondes) في فرنسا طبقا للشروط التالية :

  • انسحاب ألمانيا من جميع الأراضي المحتلة بما في ذلك منطقتي الألزاس واللورين، وجانب من الضفة الشرقيّة الألمانيّة لنهر الراين.
  • تسليم ألمانيا الجانب الأكبر من أسطولها الحربي وجميع غواصاتها.
  • إطلاق سراح جميع الأسرى من جنود الحلفاء.
  • وضع جميع السكك الحديديّة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الرين تحت تصرّف الحلفاء.


ولقد كانت تلك الشروط التي فرضها الحلفاء على ألمانيا قاسية جعلت الألمان يشعرون بالمرارة والأسى. 

الخاتمة :
تقّبلت الشعوب المنتصرة الهدنة بفرحة عارمة غير أن سرعان ما تبدّدت تلك الفرحة إثر نشر خسائر الحرب الماديّة والبشرية.

هل أن معاهدة الصلح التي فرضت على ألمانيا ستحقّق السلم الدائم في أوروبا المنكوبة المهدّدة من طرف الحركات الثوريّة؟