الثورة الصناعيّة ونموّ الدول الغربيّة
فرنسا من 1852 إلى 1914
قامت الجمهورية الثانية إثر ثورة فيفري 1848 ودامت أقلّ من أربع سنوات إذ قام انقلاب 2 ديسمبر 1851 الموجّه ضّد الملكيين والجمهوريين على حدّ السواء، وأدّى إلى وصول لويس نابليون (ابن أخ نابليون بونابارت) إلى الحكم فاستطاع بعد بضعة أشهر أن يعلن قيام الإمبراطورية. فقام بإقصاء 60 نائبا من الجمعيّة الوطنيّة من بينهم فيكتور هيقو الذي أطرد من فرنسا، وكذلك قام بإيقاف عدد ضخم من الزعماء السياسيين ونفي ما لا يقلّ عن 10.000 معارض إلى الجزائر.
غير أنّ تلك الإمبراطورية لم تعمّر طويلا فسرعان من انهارت إثر انهزام فرنسا أمام بروسيا سنة 1870 فعادت فرنسا من حديث ونهائيا إلى الحكم الجمهوري. وذلك بقيام الجمهوريّة الثالثة (1871-1914) التي تحوّلت بسرعة إلى نظام برلماني أخذ يتطوّر رغم الصعوبات السياسيّة إلى نظام أوفر ديمقراطيّة.
I- الإمبراطورية الثانية (1852-1870) :
1)- تأسيس الإمبراطوريّة :
قامت الإمبراطوريّة الفرنسيّة الثانية على ثلاث مراحل تمّت خلال سنة 1852 وهي :
أ- أصدر لويس نابليون الذي انتخب رئيسا للجمهوريّة سنة 1848 دستورا جديدا في 2 جانفي 1852 وبمقتضاه أصبح رئيس الجمهوريّة يتمتّع بسلطات تنفيذيّة واسعة، تتمثّل في تعيين الوزراء الذين أصبحوا مسؤولين أمامه مباشرة. وحقّ إعلان الحرب وعقد الصلح وقيادة الجيوش والعفو العام وتعيين كبار المسؤولين الإداريين.
وقد أصبح لفرنسا بمقتضى هذا الأمر الدستور ثلاثة أجهزة أساسية هي :
- الجمعية التشريعية التي وقع تحديد مسؤوليتها وتضمّ 250 عضوا ينتخبون بالتصويت العام.
- مجلس الدولة ويقع تعيين أعضائه من طرف رئيس الجمهوريّة، وتنحصر وظيفته في إعداد اللوائح القانونيّة لتعرض على الجمعيّة التشريعيّة.
- مجلس الشيوخ ويعيّن رئيس الجمهوريّة أعضاءه ووظيفته تعديل القوانين وتفسير الدستور، وكان أعضاء تلك المجالس يخضعون لرئيس الجمهوريّة ويقدّمون له يمين الولاء والطاعة مثل ما هو الشأن بالنسبة لجميع موظفي الدولة وضباط الجيش.
وهكذا أصبح رئيس الجمهوريّة الثانية لويس نابليون رئيسا دكتاتوريا يتمتّع بسلطات واسعة ونفوذ فعلي، ولم يبق له إلاّ تغيير لقب رئيس الجمهوريّة بلقب إمبراطور، وهذا الأمر ما كان يطمح إليه ويسعى لتحقيقه.
ب- قام لويس نابليون في سبتمبر وأكتوبر 1852 بجولة طويلة في مختلف أنحاء المقاطعات الفرنسيّة ألقى خلالها الخطب الحماسيّة لاستنهاض الهمم وكسب عطف الجماهير الشعبيّة وإقناع المعارضين لمساندته. فكان يلقى الخطب الحماسيّة في المدن والأرياف فيصفق له دعاته : "ليحيا الإمبراطور" وفي "بوردو" أعلن في إحدى خطبه "إن جملة من الناس يسيؤون الظنّ بي ويقولون أنّ الإمبراطورية هي الحرب وأنا أقول الإمبراطورية هي السلم".
وقد استخلص لويس نابليون إثر تلك الجولة الطويلة أنّ فرنسا تهيّأت لقبول النظام الإمبراطوري لذا لم يتوان لقطع المرحلة الأخيرة.
ج- لم ينتظر لويس نابليون طويلا لإعلان الإمبراطورية ففي 2 ديسمبر 1852 وبعد سنة فقط من انقلاب 1851 أجرى استفتاء شعبيّا حصل فيه على أغلبيّة ساحقة مكّنته من أن ينادي بنفسه إمبراطورا باسم نابليون III دون أن يضطلع بأيّ تغيير في الدستور الفرنسي إذ أصبح دستورا للإمبراطورية بعدما كان دستورا للجمهوريّة.
2)- النفوذ المطلق للإمبراطورية من 1852 إلى 1858 :
استطاع نابليون III طوال الأعوام الستّ الأولى من حكمه أن يمارس في تسيير شؤون الدولة نفوذا مطلقا يذكّرنا بعهد الملكيّة المستبدّة في فرنسا. فقد أعاد للبلاط الفرنسي رونقه وعظمته وهيبته ففاقت عصر لويس XIV وحكم البلاد حكما فرديّا مطلقا مستعينا بوزرائه ومتأثّرا بمحيطه وخاصّة بزوجته الأميرة الإسبانيّة الكاتوليكيّة أوجيني (Eugenie) ونجح في ذلك كلّ النجاح. ويرجع ذلك إلى عدّة عوامل اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، من أهمّها :
أ- أنّ فرنسا قد عرفت تطوّرا اقتصاديّا وازدهارا رأسماليّا نتيجة لتشجيع نابليون III لاستثمار رؤوس الأموال في ميدان الصناعة، إذ رفع جملة من القيود الحكوميّة عن المعامل وأعان على بعث الشركات التجاريّة. كما قام بتسهيل حركة المواصلات المائية والبرية مما أكسبه عطف ومساندة الطبقة البرجوازية الرأسمالية.
أمّا الطبقة العماليّة فقد أعجبت له لاتصاله بها مباشرة وللمساعدات الماليّة والأدبيّة التي قدّمها لنقاباتها و جمعيّاتها التعاونيّة، ومن ثم انخفضت البطالة وقلّت الاضطرابات العماليّة.
ب- وعرفت فرنسا نجاحا كبيرا في ميدان السياسة الخارجيّة إذ لقيت حملات نابليون III الاستعماريّة في الجزائر والهند الصينيّة عطف الكنيسة الكاتوليكيّة التي كان يهّمها نجاح الحركة التبشيريّة. ولقيت كذلك تأييد رجال الأعمال من الطبقة البرجوازيّة الذين وجدوا في هذا الأمر التوسّع الاستعماري أسواقا تجاريّة حديثة ومناطق واسعة لاستثمار رؤوس أموالهم.
ج- ولقد استطاع نابليون III أن يكسب مناصرة ورضاء الجمهوريين ظاهريّا على الأقلّ وذلك لضعفهم بعد إقصاء ونفي زعمائهم، وساعده على ذلك كذلك تصريحاته العديدة بالدفاع عن مبادئ الثورة الفرنسيّة وتمسّكه بمبدأ التصويت العام للذكور. وهكذا استطاع الإمبراطور نابليون III أن يتمتّع بثقة الشعب ويظفر بمناصرة الأحزاب المختلفة فيحكم البلاد حكما فرديّا مطلقا، ومن مظاهر ذلك :
- خضوع جلّ المناصب الإداريّة الهامّة في الدولة لأنصار النظام الإمبراطوري، وبجانب ذلك فقد كان نابليون III هو الذي يعين المرشحين للانتخابات التشريعيّة إذ تقع مؤازرتهم بصفة رسميّة من طرف المصالح الإداريّة الجهويّة.
- تخفيض حصص تدريس مادتي الفلسفة والتاريخ في المعاهد الثانويّة وهما المادتان اللتان تهذبان العقل وتنميان الفكر النقدي لدى الشباب.
- مراقبة الصحافة عن كثب إذ فرضت عليها جملة من أنواع الزجر من ذلك أنّه بعد توجيه إنذارين للصحيفة يقع إيقافها لمدّة شهرين وعند الإنذار الثالث تتوقّف نهائيا عن الصدور.
- تدعيم جهاز الشرطة الذي قام بمراقبة كلّ السكان عن طريق أعوانه وعيونه السرّيين.
3)- الإمبراطورية التحرريّة (1858-1870) :
أخذ النظام الإمبراطوري منذ سنة 1858 يتحوّل ويتطوّر باطراد نحو نظام تحرري بل نظام برلماني.
أ- أسباب التطوّر :
- لقد أخذ نابليون III يؤيّد القوميين الإيطاليين ويساند حركتهم إثر محاولة اغتياله من طرف أورسني (Orsini) في 14 جانفي 1858 وهذا الأمر ما أثار غضب البابا وأنصاره من الكاتوليك الذين تحوّلوا عن مساندة الإمبراطورية. لذا اضطر هذا الأمر الأخير إلى استمالة الأحرار لكسب تأييدهم وذلك بانتهاج سياسة تحرريّة.
- وقد اتّبع نابليون III سياسة اقتصاديّة ليبراليّة تمثّلت في حريّة المبادلات والمنافسة الاقتصاديّة وذلك لتخفيض الأسعار وتحقيق جودة البضاعة. وهذا الأمر ما جعل الطبقة البرجوازيّة خاصّة أرباب الصناعات يتحوّلون عن مساندته، ومن ثم أخذ نابليون III يستميل الطبقة العماليّة لتعويض تلك الخسارة.
- وأخيرا اضطرّ نابليون III إلى القيام بعدّة تنازلات قيّدت من نفوذه المطلق وذلك إثر تحالف الجمهوريين مع الملكيين والكاتوليك لمقاومة مرشحي الإمبراطور الرسميين في الانتخابات.
ب- أهمّ الإصلاحات التحرريّة :
- في سنة 1859 قام نابليون III بإعلان العفو عن المعارضين الذي وقع نفيهم إثر انقلاب 2 ديسمبر 1851.
- في سنة 1860 منح نابليون III للجمعيّة التشريعيّة ومجلس الشيوخ حقّ الردّ على خطب العرش وذلك بتقديم الرغبات السياسيّة.
- و في سنة 1864 تمّ الاعتراف بحقّ الإضراب.
- إحداث تدريس ثانوي عصري ومعاهد ثانويّة للفتيات.
- وفي سنة 1867 تحصّل أعضاء مجلس الشيوخ والنواب على حقّ الاستفسار عن القضايا المختلفة التي تهمّ شؤون البلاد.
- وفي سنة 1868 أعلنت حريّة الصحافة وألغيت العقوبات الإداريّة ورخّص في إنشاء الصحف.
- وفي سنة 1869 أصبح للنواب حقّ تولّي المناصب الوزاريّة وحقّ اقتراح القوانين.
- وفي سنة 1870 تحوّل مجلس الشيوخ إلى مجلس تشريعي ثان وأصبح لأعضاء المجلسين حقّ تعديل الدستور. وهكذا فقد نابليون III بشكل ضخم من نفوذه السياسي، وأخذ النظام في فرنسا تبعا ومن ثم يتطوّر بسرعة نحو النظام البرلماني، غير أنّ الإمبراطوريّة الثانية سرعان ما انهارت فجأة في 4 سبتمبر 1870 إثر انهزام نابليون III وجيوشه في "سيدان" أمام الجيوش البروسيّة في 2 سبتمبر 1870 فقامت إثر ذلك الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة.
II- الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة (1870-1914) :
قامت الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة بعدّة إصلاحات دستويّة واجتماعيّة واقتصاديّة أدّت إلى التطّور التدريجي نحو نظام سياسي برلماني وديمقراطي بالرغم من الإشكاليات السياسيّة الحادّة التي بشكل ضخم ما هّددت وجودها.
1- الصعوبات التي واجهت الجمهوريّة في بداية عهدها :
أ- الجمهوريّة المسيرة من طرف الملكيين :
على إثر انهزام نابليون III في سيدان أعلن الفرنسيون قيام الجمهورية، غير أن انتخابات الجمعية الوطنية لسنة 1871 مكنت الملكيين من الأغلبيّة البرلمانيّة إذ تحصّل البنبارتيون على 30 مقعدا والجمهوريّون على 200 مقعد، والملكيون على 400 مقعد. لذا اختارت الجمعيّة الوطنيّة "تيار" (Thiers) وهو آنذاك من أنصار الملكيين على رأس السلطة التنفيذيّة للجمهوريّة الفرنسيّة. وهكذا أصبح لفرنسا سنة 1871 نظام جمهوري يخضع للملكيين، غير أنّ تلك الأغلبيّة الملكيّة قد انقسمت على نفسها فعقدت الحكومة مع البرلمان اتفاقا دعي بميثاق بوردو (10 مارس 1871) التزم بمقتضاه الطرفان بإعادة تنظيم البلاد قبل كلّ شيء، إلاّ أنّ ذلك لم يتم نظرا ل قيام ثورة باريس "الكومون" (La commune) .
ب- ثورة الكومون (مارس - ماي 1871) :
بينما كانت الجمعيّة الوطنيّة منشغلة بأمر الصلح إذ اندلعت في باريس حرب أهليّة عرفت بثورة الكومون وترجع أسبابها إلى :
- مؤاخذة سكان باريس حكومة "تيار" لاستسلامها قبل الأوان للجيوش البروسيّة ممّا ألحق إهانة ضخمة للفرنسيين بدخول الألمان إلى باريس.
- خوف البارسيين من عودة الملكيّة إلى الحكم.
- تذمر البارسيين من عودتهم إلى دفع معلوم الكراء والدين، زد على ذلك إلغاء مرتّبات الحرس الوطني. فانتهز العامّة في باريس تلك الفرصة وانتخبوا لجنة أخذت على عاتقها حكم باريس ولم تكن تلك الحكومة مؤلّفة من فئات متجانسة بل كانت خليطا من العمال والفوضويين والاشتراكيين الذين رفعوا المعرفة الأحمر.
وكانت تلك الحكومة الثوريّة مسيرة في مستهل الأمر من اللجنة المركزية للحرس ثم من طرف المجلس العام للكومون واستمرت تلك الحكومة المحليّة من 15 مارس إلى 28 ماي 1871. وقد فضّلت الحكومة المؤقّتة التي يرأسها "تيار" الانسحاب إلى فرساي استعدادا لتكوين جيش قويّ لمقاومة تلك الثورة، و استطاعت بمساندة المدن الفرنسيّة قمع تلك الثورة بعد أسبوع من القتال العنيف الدامي الذي سقط فيه 2000 قتيل وسجن ونفي ما لا يقلّ عن 4000 نسمة من سكان باريس. فكان انهزام الكومون انهزاما للحركة الثوريّة الاشتراكيّة وانتصارا للطبقة الوسطى ممّا أدّى إلى ازدياد عمق الصراع بين عامّة الشعب والطبقة البرجوازيّة.
2)- دستور 1875 :
لقد كان أعضاء الجمعيّة الوطنيّة متفقين على عقد الصلح ومعالجة الإشكاليات المختلفة ولكنهم لم يتفقوا على نظام الحكم في البلاد، وكان من السهل على الملكيين إقرار الحكم الملكي إذ كانوا يؤلّفون ثلثي أعضاء الجمعيّة الوطنيّة غير أن انقسامهم على أنفسهم وعجزهم في اختيار مرشّح لهم فسح المجال لفوز الجمهوريين ففي سنة 1875 ورغم وجود أغلبيّة ملكيّة صادقت الجمعيّة الوطنيّة بأغلبيّة صوت واحد على طريقة انتخاب رئيس الجمهوريّة وأصبح لفرنسا دستور حديث يتمثّل في :
أ- السلطة التنفيذيّة :
يترأّس السلطة التنفيذيّة رئيس الجمهوريّة الذي ينتخب لمدّة سبع سنوات من طرف الجمعيّة الوطنيّة المتكوّنة من مجلسي الشيوخ والنواب، ولرئيس الجمهوريّة صلاحيات تتمثّل في :
- اختيار الوزراء من الأغلبيّة البرلمانيّة وإن كان غير مسؤول أمامها.
- حقّ حّل مجلس النواب بعد موافقة مجلس الشيوخ على ذلك.
- حقّ العفو.
ب- السلطة التشريعيّة :
تتكوّن السلطة التشريعيّة من مجلسي النواب والشيوخ :
- مجلس النواب وينتخب على أساس التصويت العام للذكور لمدّة أربع سنوات، وقد حدّد سنّ المتشرحين لهذا الأمر المجلس 25 سنة على الأقل.
- مجلس الشيوخ ويتكوّن من 75 عضوا قارين و225 عضوا لا تقلّ سنهم عن 40 سنة يقع انتخابهم لمدّة تسع سنوات من طرف النواب وسامي موظفي الدولة ونواب المناطق الانتخابيّة المحليّة.
ويتحوّل مجلس الشيوخ إلى محكمة عليا للنظر في كلّ ما يهدّد أمن الدولة واستقرارها، وأصبح لرئيس الجمهوريّة ومجلسي الشيوخ والنواب حقّ إصدار القوانين التي لا تصبح نافذة المفعول إلاّ بموافقتهم جميعا. كما أصبح للجمعيّة الوطنيّة (مجلس الشيوخ والنواب) حقّ مراجعة الدستور ومراقبة الوزراء رغم اختيارهم من طرف رئيس الجمهوريّة.
وبذلك أصبح لفرنسا بمقتضى دستور 1875 جمهوريّة برلمانيّة بالرغم ممّا لرئيس الجمهوريّة من سلطات واسعة، الأمر الذي جعل الملكيين يأملون في عودة الملكيّة غير أنّ الجمهوريين انتصروا آخر الأمر نتيجة لتطوّر نظام الحكم شيئا فشيئا نحو نظام ديمقراطي.
3)- التطوّر نحو الديمقراطيّة :
بدأ تفوّق الجمهوريين يبرز منذ سنة 1879 على الملكيين سواء أكان ذلك في مجلس النواب أو الشيوخ فرئيس الجمهورية ماك ماهون (Mac Mahon) آخر الملكيين في الحكم اضطرّ للاستقالة فعوّض بجول غريفي (Jules Grévy) الجمهوري النزعة. فكان هذا الأمر الحدث بداية هامّة للتطوّر الديمقراطي في عهد الجمهوريّة الثالثة التي واصلت عملها لتركيز الديمقراطيّة، من ذلك :
أ- في ميدان التدريس :
احتلّ التدريس الأولويّة في برامج الدولة إذ أنّه يمثّل الدعامة الأساسيّة لبقاء الجمهوريّة ومستقبلها.
- ففي سنة 1881 صادق البرلمان على قانون يقضي بمجانيّة التدريس.
- وفي سنة 1882 صادق البرلمان كذلك على قانون ثان يقضي بإجباريّة التدريس المرحلة الابتدائية لكلّ الصغار الفرنسيين الذين يتراوح أعمارهم بين 6 و 13 سنة، كما يقضي هذا الأمر القانون كذلك بتحجير تدريس المعارف الدينيّة في المدارس العموميّة، على أن تغلق تلك المدارس أبوابها يوما في الأسبوع ما عدا يوم الأحد لتمكين الأولياء الراغبين في تدريس أبنائهم الدين القيام به خارج المؤسسة التعليمية. وهكذا ترتب عن صدور هذين القانونين إحداث آلاف المدارس الابتدائية وعديد من المدارس لتكوين المعلمين.
ب- في ميدان السياسة :
قام البرلمان الفرنسي سنة 1881 بالمصادقة على عدّة قوانين ترمي إلى تطوير النظام السياسي لتحقيق مزيد من الحريّة والديمقراطيّة، من ذلك :
- ففي سنة 1881 صادق البرلمان على قانونين يرميان إلى إقرار حرية الاجتماع والصحافة.
- وفي سنة 1884 رخص رسميّا لقيام النقابات المهنيّة.
- وفي سنة 1884 كذلك وقعت مراجعة جزئية للدستور، فوقع إلغاء صنف الأعضاء القارين بمجلس الشيوخ.
- وفي سنة 1901 منحت الجمعيّات قانونا أساسيّا متحرّرا، غير أنّ الجمعيّات الدينيّة ظلّ وجودها يتوقّف على رخصة خاصّة مع بقاء تحجير تدريس الدين في الجمعيات الغير المرخص لها.
ج- في ميدان الدين :
قام الجمهوريون منذ وصولهم إلى الحكم سنة 1879 باتباع سياسة ترمي إلى مقاومة سلطة الكنيسة وذلك لوقوفها باستمرار ضدّ نضال الجمهوريين من جهة ولتدعيم النظام الديمقراطي الجمهوري من جهة ثانية.
تلك السياسة أدّت في خاتمة المطاف إلى مصادقة البرلمان في ديسمبر 1905 على قانون يقضي بفصل الكنيسة عن الدولة نهائيا، فكان هذا الأمر القانون حدثا عظيما وضع حدّا لتدخّل الكنيسة الكاتوليكيّة في شؤون الدولة. وهكذا وضعت وتركزت في بداية القرن العشرين أسس الديمقراطيّة الفرنسيّة، فقد استطاع الجمهوريون التغلّب على كلّ الإشكاليات والأزمات السياسيّة التي هدّدت بصفة جديّة النظام الجمهوري خاصّة حركة الجنرال "بولونجي" (Le Général Boulanger) الذي ساندته الكنيسة وكاد أن يستولي على الحكم، وكذلك مشكلة "دريفوس" (Dreyfus) الذي صدر عليه حكم الإبعاد إلى أمريكا الجنوبيّة سنة 1894.
على أنّ الإشكالية الهامّة التي واجهت الجمهوريين وعجزوا عن التغلّب عليها هي مشكلة عدم الاستقرار السياسي الذي ترجع أسبابه إلى تعدّد الأحزاب بإذ بشكل ضخم ما تعرضت البلاد إلى أزمات وزاريّة، إذ كان يصعب تكوين حكومة ائتلافيّة تضمّ أغلبيّة برلمانيّة متقاربة في اتجاهاتها السياسية، وإن تكوّنت فسرعان ما يدبّ الخلاف بين أعضائها. لذا لم تستمرّ أيّ وزارة في الحكم مدّة طويلة فمن سنة 1910 إلى سنة 1914 سقطت عدّة حكومات وكان مدّة حكم كلّ منها لا يتجاوز بضعة أشهر.
وهكذا كانت مشكلة الاستقرار السياسي تمثّل أكبر صعوبة تواجه حسن سير دواليب الدولة.
الخاتمة :
لقد بدت فرنسا قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى بلدا يتمتّع بعدّة مقوّمات تدلّ على سلامة الدولة تمثّلت في :
- نظام جمهوري ديمقراطي قويّ ووضع سياسي متوازن خاصّة بعد الانتخابات التشريعيّة لسنة 1914.
- اقتصاد مزدهر مدعّم بصناعة ثقيلة ناجحة وزراعة متطوّرة.
- اطمئنان عمّالي، ذلك أنّ الطبقة العماليّة كانت مرتاحة للإجراءات التي اتخذتها الحكومة في نهاية القرن XIX وخاصّة زيادة الأجور.
غير أن رغم ذلك فقد عرفت فرنسا مشكلة جدّ خطيرة وهي مشكلة النموّ الديمغرافي، فقد كان عدد السكان يمثّل حوالي 39 مليون نسمة في وقت أخذت فيه نسبة الولادات في الانخفاض : 26% سنة 1900 و20% سنة 1914.
