الثورة الصناعيّة ونموّ الدول الغربيّة
روسيا من سنة 1855 إلى سنة 1914
ظلّت روسيا خلال القرن XIX الدولة المتأخّرة في جميع الميادين عن بقيّة الأقطار الأوروبيّة رغم كثرة سكّانها واتساع مساحتها.
فالنظام السياسي القائم على أساس الحكم الفردي المطلق للإمبراطور (القيصر) لم يتطوّر منذ القرن XVIII إذ ليس هناك أيّ تنظيم سياسي يحدّ من نفوذ الإمبراطور المطلق الذي ظلّ يحكم البلاد حسب قوانين يصدرها من حين لآخر.
أمّا من الناحية الاقتصاديّة فقد كانت روسيا متأخّرة تأخّرا واضحا عن بقيّة الدول الأوروبيّة إذ لم تعرف بعد الثورة الصناعيّة التي انتشرت في أوروبا.
وأمّا من الناحية الاجتماعيّة فقد عرفت روسيا استبدادا اجتماعيّا إذ سيطر النبلاء الذين لا يمثلون أوفر من 1% من مجموع السكّان على جلّ الأراضي الخصبة في حين ظهرت الطبقة البرجوازيّة ضعيفة لا تأثير لها على تطوّر البلاد.
وأصبحت أغلبيّة السكان من الأقنان عبيد الأرض فكان 50 مليونا من مجموع 60 مليون نسمة يعملون لفائدة الدولة والنبلاء.
وبجانب ذلك كان المجتمع الروسي يتكوّن من أجناس وقوميات وديانات ومذاهب مختلفة فهناك الألماني والسلافي والسويدي والبولوني...
هكذا كانت روسيا في منتصف القرن XIX دولة متأخّرة يسيطر عليها الرجعيون وتئنّ تحت عبء التقاليد والنظم الإقطاعيّة. وتخضع لحكومة أوتوقراطيّة ممّا أدّى إلى قيام صراع عنيف وثورات دامية بين الأحرار والمحافظين الرجعيين.
I- روسيا في عهد الإسكندر II ـ 1855-1881 :
تميّزت سياسة الإسكندر II بالتناقض. فقد انتهج في بداية عهد سياسة إصلاحيّة تحرريّة، ثمّ تخلّى عن تلك النزعة ومال إلى الرجعيّة نظرا لأنّه لم يكن ديمقراطي النزعة بحقّ.
تميّزت سياسة الإسكندر II بالتناقض. فقد انتهج في بداية عهد سياسة إصلاحيّة تحرريّة، ثمّ تخلّى عن تلك النزعة ومال إلى الرجعيّة نظرا لأنّه لم يكن ديمقراطي النزعة بحقّ.
1)- الإسكندر II المصلح (1855-1865) :
قام الإسكندر II في الأعوام الأولى من حكمه بحركة إصلاحيّة يدفعه في ذلك نموّ الروح التحرريّة وانهزام روسيا في حرب القرم، ومن أهمّ تلك الإصلاحات :
أ- تحرير الأقنان :
كانت تسعة أعشار الأراضي الروسيّة تخضع لملكيّة الأمراء والأشراف، وكان الأقنان يعيشون على تلك الأراضي يباعون معها كأنّهم قطعة منها، ويدفعون الضرائب لأسيادهم ويخدمونهم مجانا، فاستفزّت تلك الحالة السيئة الإسكندر II فأطلق سنة 1858 حريّة جميع الأقنان الذين تملكهم العائلة المالكة ووزّع عليهم الأراضي، ثمّ أصدر سنة 1861 مرسوما يقضي بإلغاء حقوق الأشراف على الفلاحين نهائيّا، وأعطى حقّ التملّك لهم في ثلث الأراضي التي يعملون بها على أن يسدّدوا قيمتها بمساعدة الدولة.
ب- تأليف المجالس الانتخابيّة المحليّة :
أصدر الإسكندرII سنة 1864 مرسوما يقضي بتأليف مجالس محليّة Zemstvos منتخبة لها حقّ فرض الضرائب المحليّة وتشريع القوانين الخاصّة بالولاية كفتح الطرق وبناء الجسور والمدارس... فنتج عن ذلك أن فقد الأمراء نفوذهم السياسي والإداري.
ج- الإصلاح القضائي :
أصدر الإسكندر II سنة 1862 عدّة قوانين هامّة تقضي بإصلاح النظام القضائي مقتسبة من النظم الأوروبيّة الغربيّة من ذلك :
- فصل القضاء عن الإدارة.
- انتخاب القضاة من طرف المجالس البلدية والمحليّة.
- إدخال نظام المحلفين.
- جعل المحاكمة علنيّة.
وأدخلت إصلاحات أخرى على مختلف الميادين كالتنشئة والتدريس والصحافة والسكك الحديديّة والاستثمارات الاقتصاديّة.
2)- الإسكندر II السفاح (1865-1881) :
أ- دوافع التراجع في حركة الإصلاح :
لم تستمر الحركة الإصلاحيّة التي قام بها الإسكندر II فسرعان ما توقّفت، ويرجع ذلك إلى :
- أنّ الإسكندر II لم يكن ديمقراطي النزعة من أعماق نفسه
- أنّ الإصلاحات قد أحدثت عدّة اضطرابات على نظام المجتمع
- أنّ تحرير الأقنان لم يؤدّي إلى نتائج إيجابيّة إذ وقع وفير منهم تحت عبء الديون، فرفضوا تسديد قيمة الأرض لعجزهم، وهاجر الكثير منهم للعمل في المدن. وزيادة على ذلك فقد عارض النبلاء بشدّة تحرير الأقنان
- أنّ حركة الإصلاح قد أحدثت ردّ فعل عنيف من طرف الرجعيين والمحافظين ممّا زاد في تقوية نفوذهم
- أنّ أحرار المجالس المحليّة المنتخبة قاموا بإحداث مؤسّسات دستوريّة حرّة
- أنّ المثقّفين الأحرار والعدميين (Nihilistes) والماركسيين الثوريين قد ضاعفوا نشاطهم في وقت أخذ فيه الفوضويون يعملون على تقويض النظام القيصري، فانتشر الإرهاب وتعرّض القيصر نفسه إلى محاولة اغتيال من طرف أحد الطلبة سنة 1866.
ب- التراجع في حركة الإصلاح :
كان ردّ الفعل عنيفا وعامّا من طرف القيصر لمواجهة تلك الأوضاع الخطيرة، ففرض الرقابة على الصحف، ومنع المجالس المحليّة من التعبير عن آرائها بل وضعها تحت رقابة ولاّة الأقاليم، وحجر على المعاهد والكلّيات تدريس جملة من المقررات العلميّة المنافية لتعاليم الكنيسة.

وقام فيما بين 1878 بإعدام 31 ثائرا من مختلف المنظّمات السريّة التي تكوّنت لتقويض النظام الأوتوقراطي القيصري. وكردّ فعل لتلك الإجراءات القاسية ضاعف العدميون نشاطهم، فقاموا باغتيال عدد ضخم من الضباط ورجال الشرطة ورؤساء المصالح الإداريّة، وأصدروا حكم الإعدام على القيصر نفسه الذي أصبح يعرف بالسفاح.
وأمام خطورة الوضع ونموّ حركة الإرهاب والمعارضة قرّر القيصر بإشارة من الجنرال مليكوف (Melikov) للتخفيف من حدّة المعارضة العودة إلى الإصلاح وذلك بتأليف لجان في مختلف أقسام الإدارة.
وفي 13 مارس 1881 وفي في يومنا هذا الأمر الذي تقرّر فيه أن يوقع الإسكندر II على تلك الإصلاحات وقع اغتياله. فتولّى العرش بعده ابنه الإسكندر III.
II- روسيا في عهدي الإسكندر III ونيكولا II :
1)- الإسكندر III ـ 1881-1894 :
امتاز الإسكندر III بثقته في نفسه وطموحه وعنفه، فقد آمن بأنّ النزعة الحرّة هي التي كانت سببا في فشل والده في حركة الإصلاح، لذا عمل طوال مدّة حكمه على مقاومة الأفكار الحرّة منتهجا سياسة تقوم على تركيز مقوّمات الأمّة الروسيّة المتمثّلة في الدين المسيحي الأرتدكسي والروح السلافيّة والعقيدة الأوتوقراطيّة معتمدا على المحافظين الرجعيين لقمع كلّ الأفكار الثوريّة التقدميّة. واختار لتطبيق تلك السياسة رجلين يُعدّان من أركان الرجعيّة الروسيّة هما : بوبيدونستساف (Pobiedonostsev) وبلهفة (Pelhve).
اتخذ الإسكندر III عدّة إجراءات لمقاومة النزعة التحريريّة والمدنيّة الغربيّة تمثّلت في :
- إحداث جوازات سفر للتنقّل داخل الأراضي الروسيّة.
- فرض رقابة رسميّة على كلّ نشاط ثقافي بما في ذلك المكتبات والكتبيات والتدريس والصحافة.
- تحديد صلاحيات المجالس المحليّة فعدّل عن طريقه انتخابها لتوسيع عدد النبلاء فيها.
- إيقاف أغلبية الإرهابيين وإعدامهم.
- تدعيم مقوّمات الأمّة الروسيّة وذلك بنشر المبادئ والتقاليد الروسيّة فأصبحت اللّغة الروسيّة اللّغة الرسميّة في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة.
- تشجيع الكنيسة الأرتدكسيّة وتمكينها من عدّة امتيازات.
- تشجيع الفلاحين في المقاطعات غير الروسيّة أملا في اعتناقهم الأفكار القوميّة الروسيّة.
- اتخاذ عدّة إجراءات ضدّ اليهود للحدّ من تأثيرهم، من ذلك تحريم جملة من المهن الحرّة عليهم ومنعهم الاستقرار في جملة من المناطق. ومن ثم فضّل الكثير منهم الهجرة
- غلق جملة من الكلّيات غير الروسيّة.
- تقويّة فكرة الجامعة السلافيّة لاتخاذها وسيلة لتدعيم النفوذ القيصري في الداخل والخارج.
وبهذه الإجراءات استطاع الإسكندر III تدعيم نفوذه فاستقرت أوضاع البلاد. وبدا وكأنّه قد نجح في سياسته الرجعيّة المحافظة سيما وأنّ حركة الأحرار قد ضعفت وخمدت وكأنّها كانت تترقّب بفارغ الصبر انتهاء حكم الإسكندر III للتخلّص من هذا الأمر الكابوس الرهيب.
وفي سنة 1894 توفّي القيصر فجأة تاركا لابنه نيكولا II إمبراطوريّة مستقرّة.
2)- نيكولا II ـ 1894-1917 :
ورث نيكولا II الرجل الخامل الضعيف عن والده إمبراطوريّة هادئة تبدو ظاهريّا وكأنّها سهلة الانقياد، لذا لم يحاول إدخال أيّ إصلاح على البلاد مفضّلا الاستمرار في تسيير شؤون الدولة بالاعتماد على نفس أعضاء والده الرجعيين أمثال بلهفة الذي أصبح وزيرا للداخليّة. وهكذا واصل نيكولا II نفس المنهج السياسي الذي اتّبعه والده من مقاومة الحركة التحرّريّة ونشر التقاليد والثقافة الروسيّة في البلاد، غير أنّ الظروف والأوضاع في روسيا أخذت تتبدّل في عهده، فوقعت تغييرات اقتصاديّة واجتماعيّة وفكريّة أدّت إلى قيام أزمة 1905.
III- ثورة 1905 ونهاية الحكم الأوتوقراطي :
1)- أسباب الأزمة :
ترجع أصول أزمة 1905 إلى التطوّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة في روسيا إذ تسرّبت الثورة الصناعيّة وتهذّبت الأفكار، ونشط الأحرار الذين استغلّوا انهزام الجيوش القيصريّة في الحرب الروسيّة اليابانيّة لشنّ حملة ضدّ النظام الأوتوقراطي القيصري سرعان ما تحوّلت إلى ثورة.
أ- التحوّل الاقتصادي والتطوّر الاجتماعي :
أخذت الحركة الاقتصاديّة تدخل روسيا منذ عهد الإسكندر III ونمت في عهد نيكولا II فأحدثت تطوّرات اجتماعيّة هامّة غير أنّها لم تبلغ درجة التطوّر في البلاد الأوروبيّة الغربيّة.
فقد عرف الاقتصاد الروسي في نهاية القرن XIX وبداية القرن XX جملة من التغييرات تحت تأثير وزير الماليّة ويت (Witte) (1892-1903) وبمساعدة الفنيين ورؤوس الأموال الأجنبيّة (الإنقليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة) فتطوّرت الصناعات الجديدة، وتوسّعت بسرعة حركة استغلال المقررات الأوليّة (الفحم الحجري والحديد والبترول) وتضاعفت في بضعة سنوات شبكة الخطوط الحديديّة، غير أنّ هذا الأمر التحوّل الاقتصادي لم يكن كافيا لاستيعاب الأغلبيّة الساحقة من الطبقة العاملة التي تحرّرت من العبوديّة وأخذت تنمو نموا ديمغرافيا طبيعيّا.
لقد كانت روسيا سنة 1850 تعدّ 60 مليون نسمة فسرعان ما تطوّر هذا الأمر العدد فأصبح 125 مليون نسمة سنة 1895، 80 مليونا منهم من الفلاحين الذين ازدادت أحوالهم سوءا نظرا نظرا لأنّ ثلث الأراضي التي بيعت من طرف النبلاء امتلكتها طبقة حديثة وهي الطبقة البرجوازيّة. أمّا الأراضي التي امتلكها الفلاحون فلم تكن كافية لتفي بحاجياتهم ومن ثم ازداد بؤسهم وشقاؤهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه الخصاصة تستفحل يوما بعد يوم لعدم توزيع الأرض توزيعا عادلا كانت روسيا تصدر الحبوب إلى الخارج ممّا زاد في تدهور الأوضاع.
لقد أدّت تلك الحالة السيّئة إلى نزوح سكان القرى الريفيّة إلى المدن طلبا للشغل فبلغ عدد النازحين سنويّا حوالي مائة ألف نسمة سنة 1900. غير أنّهم لم يجدوا مواطنا للشغل، ذلك أنّ التطوّر الصناعي لم يكن كافيا لاستيعابهم فازدادت حالتهم سوءا وبؤسا ممّا أدّى إلى ظهور طبقة عماليّة بائسة فقيرة تعيش في ظروف قاسية مهدّدة باستمرار البطالة والجوع والمرض، وذلك أنّ أجر العامل الروسي لم يكن يساوي نصف أو ثلث الأجر الأدنى للعامل الأوروبي الغربي.
فأصبحت تلك الطبقة العماليّة الجديدة تمثّل خطرا على النظام إذ لم يكن هناك أحد يهتمّ بشؤونها وأوضاعها باستثناء جملة من المفكّرين الذين أدركوا خطورة أوضاعهم الاجتماعيّة.
فقد قام جملة من المؤلف المشهورين أمثال تلستوى (Tolstoi) وتشيكوف (Tchekhov) وخاصّة قركي (Gorki) بوصف بؤس وانحطاط الأخلاق في الأوساط العماليّة وانتقدوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة النظام الأرستقراطي الاستبدادي.
ب- تطوّر حركة المعارضة :
شجّعت الأوضاع الاجتماعيّة الجديدة وتفاقم بؤس الفلاحين وعمّال المدن حركة المعارضة وساعدت على نموّها فظهرت أحزاب سياسيّة سريّة حديثة في نهاية القرن XIX وأخذت تطوّر عملها ونشاطها أوفر فأكثر، ومن أهمّها :
- أصبح الأحرار يكوّنون الحزب الدستوري الديمقراطي المسيّر من طرف النخبة المثقّفة يساندهم في ذلك جملة من النبلاء وخاصّة البورجوازيّون الذين أرادوا القيام بدور سياسي نشيط وتقويّة مكانتهم الاجتماعيّة متأثّرين في ذلك بالمثل والمبادئ الفرنسيّة. فأخذ هؤلاء يطالبون بنظام دستوري برلماني، غير أنّ تأثيرهم كان محدودا لضعف حزبهم الذي ظلّ بعيدا عن القاعدة الشعبية
- الحزب الاشتراكي الثوري الذي أصبح يتكوّن من الجماهير الشعبيّة والإرهابيين وقد انحصر برنامج عملهم في ثلاث نقاط أساسية :
* الإصلاح الزراعي.
* تطبيق الاشتراكيّة خاصّة على أرض الملكيّة الجماعيّة
* الالتجاء إلى العنف كطريقة عمل.
- الماركسيون : لم يكن أنصار المذهب المركسي يمثّلون قوّة عظيمة بادئ الأمر إلاّ أنّهم استطاعوا استغلال التطوّر الاجتماعي الذي كان يعمل لصالحهم ليُكَوّنوا سنة 1898 الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي استنكر الاغتيالات الفرديّة مفضّلا العمل الجماعي المتواصل المعتمد على توعية الطبقة العماليّة البروليتاريّة وتربيتها، غير أنّ هذا الأمر الحزب انقسم على نفسه سنة 1903 إلى اتجاهين :
* المانشفيك (Mencheviks) وهم الأقليّة الذين لا يعتقدون بقيام ثورة عاجلة مفضّلين التحالف مع الأحرار.
* البلشفيك (Bolcheviks) وهم الأغلبيّة الذين يتزعّمهم لينين (1870-1924) الرافض لفكرة التحالف مع البرجوازيّة والمعتقد بضرورة تهيئة الطبقة العماليّة البروليتاريّة في المستقبل القريب.
ج- الحرب الروسيّة اليابانيّة :
كان نيكولا II محدود الذكاء يخضع لتأثير زوجته، لذا لم يكن يشعر بخطورة الأوضاع خاصّة التطوّر السياسي والاجتماعي في بلاده. وفي نفس الوقت كان متشبّثا بالنظام الفردي الأوتوقراطي، معتقدا أنّه قادر على الحدّ من تطوّر المعارضة والحركات الثوريّة وذلك بخوض غمار حرب ينتصر فيها انتصارا باهرا.
فاستغلّ أوّل فرصة ليعلن الحرب ضدّ اليابان بغية التنافس الاستعماري في القارة الآسيويّة. اندلعت الحرب واستمرت من سنة 1904 إلى سنة 1905 وانتهت بانهزام مهين للجيوش الروسيّة ممّا أثبت ضعف النظام فتهيّأ الجوّ لقيام الثورة.
2)- الثورة وتطوّر النظام السياسي :
بدأت بوادر الأزمة في نوفمبر 1904 حين قدّم 22 نائبا من المجالس المحليّة (Zemstvos) لائحة للقيصر يطالبون فيها بعقد جلسة فوريّة لمجلس قومي (الدوما Douma)
رفض نيكولا II ذلك وبعد شهرين قام عمّال سان بترسبورغ (St Petersbourg) بمظاهرة سلمية أمام قصر القيصر لعرض مطالبهم و اتخاذ إجراءات تخفّف بؤسهم. غير أن القيصر أجابهم بإطلاق النار فسقط منهم حوالي 900 عامل فكان هذا الأمر في يومنا هذا الأمر (22 جانفي 1905) يوم الأحد الأحمر، يوم بداية الثورة والعصيان المسلّح ضدّ الدولة إذ لم يقتصر على سان بترسبورغ فحسب بل تجاوزها إلى وفير من الأقاليم، وتوالت الأحداث بسرعة وكان من أهمها :
- تمردّ المدرّعة بوتمكين (Potemkine) في جوان 1905.
- الإضراب العامّ الذي نظّمه الاشتراكيّون الديمقراطيّون في سان بترسبورغ (أكتوبر 1905).
وأمام تصاعد الاضطرابات وتجدّدها أدرك نيكولا II خطورة الوضع الذي أصبح يهدّد بصفة جديّة النظام القيصري، فرضخ في خاتمة المطاف وأصدر في 30 أكتوبر 1905 بيان أكتوبر الذي وعد فيه بإحداث مجلس تشريعي الدوما Douma منتخب من طرف كلّ فرد يضطلع بأداء واجبه الجبائي، فكان هذا الأمر الحدث بداية نهاية النظام الأوتوقراطي.
وأمام تصاعد الاضطرابات وتجدّدها أدرك نيكولا II خطورة الوضع الذي أصبح يهدّد بصفة جديّة النظام القيصري، فرضخ في خاتمة المطاف وأصدر في 30 أكتوبر 1905 بيان أكتوبر الذي وعد فيه بإحداث مجلس تشريعي الدوما Douma منتخب من طرف كلّ فرد يضطلع بأداء واجبه الجبائي، فكان هذا الأمر الحدث بداية نهاية النظام الأوتوقراطي.
ارتاح البرجوازيون لتلك الإصلاحات الدستوريّة في وقت عارض فيه الاشتراكيون ذلك مكوّنين لجان المقاومة ومتزعمين حركة الإضراب العامّ في موسكو (ديسمبر 1905) وباعثين حركة تمرّديّة في صلب الجيش الروسي، غير أنّ الهدوء سرعان ما عاد إلى نصابه.
أمّا البرجوازيون الأحرار فقد اعتبروا السلط الدستوريّة التي منحت للدوما غير كافية لإقرار نظام برلماني. وذلك أنّ هذا الأمر المجلس ليس له حقّ الموافقة على القوانين والميزانيّة.
وأما الدستوريون الديمقراطيون فقد انتقدوا النظام الجديد وحاولوا القيام بثورة غير أن دون جدوى.
وأمام تلك المواقف قامت الحكومة والقيصر بردّ فعل عنيف بالتعاون مع المحافظين والرجعيين فوقع حلّ مجلسَيْ الدوما المنتخبين سنة 1906 وسنة 1907 وانتخب مجلس حديث استمر حتّى سنة 1912 فكان أوفر اعتدالا من سابقيه وأصبح تمثيليّا محافظا.
وفي سنة 1912 انتخب المجلس الرابع الذي أخذ يعين حركة المعارضة، وعادت الاضطرابات في البلاد من حديث و تضاعفت الإضرابات في المدن وواصلت الأحزاب السياسيّة معارضتها خاصّة البلشفيك الذين دعموا تأثيرهم على الجماهير الشعبيّة، فاستخلص لينين العبرة من تلك الأحداث (أحداث 1905) وأخذ يستعد ويهيئ للثورة الكبرى.
الخاتمة :
بدت روسيا سنة 1914 ظاهريّا وكأنّها قوّة كبرى بمساحتها الرائعة وكثرة سكّانها وارتفاع إنتاجها الفلاحي والصناعي ونهضتها الثقافيّة. غير أن الواقع كان غير ذلك، فقد كان الاقتصاد الروسي يخضع للفنيين ولرؤوس الأموال الأجنبيّة.
أمّا الجماهير الشعبيّة فقد ازداد تفاقم بؤسها نتيجة للنموّ الديمغرافي وسوء توزيع الثروة.
وتميّز موقف الحكومة بالتردّد بين الإصلاح وقمع الثورة في وقت كانت فيه المعارضة تنمو باستمرار وتتسرّب في صلب الجماهير الشعبيّة.
وهكذا كانت الإمبراطوريّة الروسيّة قوّة هشّة "عملاق رجلاه من صلصال".
