شرح نصّ العودة إلى الحيّ - حسن نصر - العام السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
يَتَسَلَّلُ شَارِعُ الْبَاشَا عَبْرَ مَتَاهَاتِ مَدِينَةِ تُونِسَ الْعَتِيقَةِ، يَتَوَغَّلُ فِي
أَعْمَاقِهَا، يَبْسُطُ ذِرَاعَهُ الطَوِيلَةَ، يَصِلُ بهَا «باب البنات» غَرْبًا إِلَى
بَطْحَاءِ رمضان بايْ شَرْقًا، ومِنْهَا إلى قَصْرِ القَصَبَةِ، فَجَامِعِ الزَيْتُونَةِ،
يَخْتَصِرُ المَسَافَةَ الفَاصِلَةَ بَيْنَ «الرّبط» (1) وَقَلْبِ المَدِينَةِ النَابِضِ
بِالْأَسْوَاقِ وَالحَرَكَةِ.
تَدْخُلُ حَيَّ دَارِ البَاشَا فَتَجِدُ لَهُ نُكْهَةً خَاصَّةً بَمَا فِيهِ مِنْ عُطُورَاتٍ
تَنبَعِثُ مِنْ أَعْطَافِهِ، وَمِنْ تَوَابِلَ قَوِيَّةٍ نَفَاذَةٍ تَطُوفُ عَبْرَ أَرْجَائِهِ. تَسِيرُ
بَيْنَ حَنَايَاهُ وَمُنْعَطَفَاتِهِ، تُطِيلُ التَّأَمُّلَ بِالرِحَابِ. احْتِفَالِيَّةُ الْأَلْوَانِ،
وَنُعُومَةُ الْأَضْوَاءِ الْمُتَسَرِّبَةِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِع يَدَيْهِ، مِنْ عُيُونِ النَوَافِذِ الْمُطِلَّةِ
عَلَى جَانِبَيْهِ مِنْ خِلالٍ شُقُوقِ الْأَبْوَابِ وَفَوْقَ سُطُوحِ المَنازِلِ.
تَمُرُّ تَحْتَ الْأَقْوَاسِ الْمُتَدَنِّيَةِ وَالْأَزِّقَةِ الْمُقَبَّبَةِ، وَتِيجَانِ (2) الْأَعْمِدَةِ،
وَالمَدَاخِلِ ذَاتِ الإِضَاءَةِ الْمُنْبثِقَةِ من الخُطُوطِ والزَخَارِفِ والأَلْوَانِ.
تَتَدَفَّقُ الحَيَاةُ المُنْسَابَةُ فِي البِنَايَاتِ المُتَنَاكِبَةِ وَالأَبْوَابِ الْمُتَقَابِلَةِ والنَوَافِذِ
المُشَبَّكَةِ البَارِزَةِ بِبَهْجَتِهَا، تُطِلُّ عَلَى الشَارِعِ كَالقَنَادِيلِ الكَبِيرَةِ الخَضْرَاءِ
الْمُعَلَّقَةِ، وَالْجُدْرَانُ الْمُتَلَفِّعَةِ بِضَوْءِ الشَّمْسِ والأَبْوَابُ الكَبِيرَةُ العَالَيَةُ، الْمُرَقَّشَةَ
بِمَسَامِيرَ رُؤُوسُهَا سَوْدَاءُ بَارِزَةٌ، والحِلَقُ الحَدِيدِيَّةُ تَتَدَلَّى كَالأَخْرَاصِ فَوقَ
قِبَابٍ مُسْتَدِيرَةٍ.
هَا هُوَ «مُرْتَضَى الشَامِخِ» بَيْنَ عَرَصَاتِ دَارِ البَاشَا، يَعُودُ إِلَيْهَا بِقَلْبٍ
جَدِيدٍ، يَسْتَنْشِقُ هَوَاءَهَا القَديمَ، بَعْدَ فِرَاقٍ طَويلٍ، أَرْبَعُونَ سَنَةً أَو تَزيدُ.
يَتَوَقَّفُ، يُمْعِنُ النَظَرَ فِي الأَمَاكِنِ التِي عَاشَ فِيهَا زَمَنًا، فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ تَتَرَدَّدُ
أَصْدَاءٌ مُخْتَلِطَةٌ مِن المَاضِي: أُنَاسٌ وَأَصْوَاتٌ، وَحَوَادِثٌ، وَمَبَانٍ، وَنَغَمَاتٌ
قَدِيمَةُ تَصْعَدُ مِنَ القَلْبِ.
إِنَّهُ يَتَوَغَّلُ فِي الأَمَاكِنِ التِي سَتَفتَحُ بَابَهَا عَلَى مَاضِيهِ، لِيُقَلِّبَ صَفْحَاتِهِ،
وَيُعِيدَ القِرَاءَةَ مِنْ جَدِيدٍ.
التقديم:
العودة إلى الحيّ: نصّ قصصي، للأديب التونسي حسن نصر، ومقتبس من روايته "دار باشا"، الصادرة سنة 2010. وهو نصّ يندرج ضمن محور الحيّ.
معجمي:
- معنى كلمة أعطاف: أَعْطَافٌ، وعِطَافٌ، وعُطُوفٌ هي جمع لكلمة عِطف. وعِطْفُ كلّ شيءٍ: جانبُه. كما أنّ العِطْفُ هو وسَطُ الطريق وأَعلاه.
- معنى كلمة المرقّشة: المرقّشة من فعل رَقَّشَ، يُرقِّش، ترقيشًا، فهو مُرقِّش، والمفعول مُرقَّش. نقول رَقَّشَ اللَّوْحَةَ أي نَقَشَها / زَيَّنَها / زَخْرَفَها / رَقَشَها.
- معنى كلمة المتلفّعة: المتلفّهة من فعل تَلَفَّعَ، يتلفَّع، تلفُّعًا، فهو مُتلفِّع، والمفعول مُتلفَّع به. وتلفَّع الشَّخْصُ بالثَّوب أي تغطَّى به تلفَّع بعباءته/ بعمامته/ بشاله. وتلفَّع الشجرُ بالورق أي اشتمل به وتغطَّى. وتَلَفَّعَ النارُأي تلهَّبت.
موضوع النصِّ ومحاوره الرئيسيّة:
يقعُ هَذَا النصُّ النثريّ ضمنَ فنِّ الوصف الذاتي (أو الانطباعي)، وهو نصٌّ سرديٌّ يمتزجُ فيه الوصفُ الخارجيُّ الدقيقُ بالانفعالِ الداخليِّ والحنينِ الذاتيِّ.
الفكرة العامّة:
يصفُ النصُّ شارعَ الباشا في مدينة تونسَ العتيقةِ، ليسَ كمجردِ مكانٍ جغرافيٍّ، بل ككيانٍ حيٍّ لهُ شخصيتُه وذاكرتُه، ويُصوِّرُ انعكاسَ هذا الأمر المكانِ على نفسيةِ الشخصيةِ الرئيسيةِ "مُرْتَضَى الشامخِ" عندَ عودتِه إليه بعدَ غيابٍ طويلٍ، حيثُ يصبحُ المكانُ بوابةً لاستعادةِ الماضي واستحضارِ الذكريات.
المحاور الرئيسيّة:
- المحور المكانيّ (الوصفيّ):
المسألة: وصفُ شارعِ الباشا وحيِّ دارِ الباشا.
الغاية: تقديمُ صورةٍ حِسِّيَّةٍ غنيةٍ (بصرية، شمِّيَّة) للمكان، تُبرِزُ جماليتَه المعماريةَ وتفاصيلَه المميزةَ (كالأقواس، الأزقة المقببة، النوافذ المشبكة، الأبواب المرقشة).
الأسلوب: اعتمادُ التأنيس (التجسيد) وإضفاء الصفات البشرية على المكان (يتسلل، يبسط ذراعه، له نكهة) لإضفاء الحيويةِ عليه وإظهارِ العلاقةِ الحميميةِ معه.
- المحور الوظيفيّ (الحضاريّ):
المسألة: دورُ الشارعِ كعاملِ وصلٍ وترابطٍ بين أحياءِ المدينةِ.
الغاية: بيانُ الوظيفةِ الحيويةِ للمكان في النسيجِ الحضريّ، حيثُ يربطُ بين معالمَ مختلفةِ الوظائفِ (إدارية، دينية، تجارية، سكنية) مما يجعله شريانَ المدينةِ النابضَ.
- المحور الذاتيّ (النفسيّ - الذكرياتيّ):
المسألة: عودةُ "مرتضى الشامخ" إلى الحيِّ بعدَ أربعينَ سنةً.
الغاية: استكشافُ العلاقةِ العميقةِ بين الإنسانِ والمكان، وكيفَ يتحوَّلُ المكانُ الثابتُ إلى مُحفِّزٍ للذاكرةِ ومُطلِقٍ لعالمِ الماضي بأصواتِه وناسِه وأحداثِه.
الأسلوب: الانتقالُ من الوصفِ الخارجيِّ إلى العالمِ الداخليِّ للشخصية، باستخدامِ عباراتٍ مثل: "في أعماق نفسه تتردَّدُ أصداءٌ مختلطةٌ"، "ليقلِّبَ صفحاتِه".
- المحور الرمزيّ:
المسألة: تحويلُ المكانِ إلى رموزٍ دالةٍ (الشارعُ كشريانٍ أو كتابٍ، الزيارةُ كقراءةٍ جديدةٍ).
الغاية: توظيفُ المكانِ كرمزٍ للهويةِ والانتماءِ والذاكرةِ الجماعيةِ والفردية. فالمكانُ ليسَ طوباً وحجَراً، بل هو وعاءٌ للتجاربِ الإنسانيةِ.
الإجابة عن الأسئلة:
1- الوحدات حسب معيار الوصف:
من بداية النصّ إلى السطر 17 (قباب مستديرة):
تُقدم وصفاً موضوعياً خارجياً للشارع والحيّ.
من السطر 18 (ها هو "مرتضى الشامخ" بين عرصات دار الباشا) إلى آخر النصّ:
التركيز على شخصية "مرتضى الشامخ" وعودته الذاتية والعاطفية للمكان.
عنوان الوحدة الأولى: "وصف شارع الباشا وحيّ دار الباشا".
عنوان الوحدة الثانية: "عودة مرتضى الشامخ الذكرياتية إلى الحيّ".
2- لقد عدّد السارد في بداية النصّ مواضع مُختلفة من أحياء مدينة تونس العتيقة.
فذكر قصر القصبة، وجامع الزيتونة، ثمّ قلب المدينة.
قصر القصبة: مقرّ الحكم والإدارة السياسيّة (يُمثّل السلطة).
جامع الزيتونة: مركز ديني وعلمي وثقافي رئيسي (يُمثّل الإشعاع الفكري والديني).
قلب المدينة النابض بالأسواق والحركة: المركز الاقتصادي والتجاري والنشاط الاجتماعي اليومي (يُمثّل الحيويّة التجاريّة والاجتماعيّة).
3- من خلال الوحدة الأولى ظهر شارع الباشا كعامل وصل وترابط بين أحياء مُختلفة من مدينة تونس العتيقة، وما يدلّ على ذلك من النصّ، هو قول السارد:
- "يَتَسَلَّلُ شَارِعُ الْبَاشَا عَبْرَ مَتَاهَاتِ مَدِينَةِ تُونِسَ الْعَتِيقَةِ، يَتَوَغَّلُ فِي أَعْمَاقِهَا، يَبْسُطُ ذِرَاعَهُ الطَوِيلَةَ، يَصِلُ بهَا «باب البنات» غَرْبًا إِلَى بَطْحَاءِ رمضان بايْ شَرْقًا، ومِنْهَا إلى قَصْرِ القَصَبَةِ، فَجَامِعِ الزَيْتُونَةِ، يَخْتَصِرُ المَسَافَةَ الفَاصِلَةَ بَيْنَ «الرّبط» (1) وَقَلْبِ المَدِينَةِ النَابِضِ بِالْأَسْوَاقِ وَالحَرَكَةِ."
4- أسند السارد إلى حيّه العديد من الصفات البشريّة وهي:
- "يَتَسَلَّلُ": (كأنه إنسان أو كائن حيّ يتحرّك بخفّة ورشاقة).
- "يَبْسُطُ ذِرَاعَهُ الطَوِيلَةَ": (لديه أذرع يمكنه بسطها للوصول والربط).
- "مِنْ بَيْنِ أَصَابِع يَدَيْهِ": (لديه يدان وأصابع تنبعث منها الأضواء).
- "عُيُونِ النَوَافِذِ": (تشبيه النوافذ بالعيون الناظرة).
دلالة العلاقة:
تجسيد الحيّ وإضفاء تلك الصفات البشريّة عليه يُحوِّله من كتلة من البناء والأحجار إلى كيان حيّ له حضور وشخصيّة. تلك العلاقة الوللغايةنيّة والحميميّة تُظهر أنّ السارد لا يرى الحيّ مجرّد مكان، بل رفيق ذو ذاكرة وحياة. إنّها علاقة انتماء عميق، إذ يتفاعل السارد مع الحيّ ككائن يُشاركه الوجود ويتذكّره بكلّ حواسه (الرائحة، البصر، اللمس المُتخيَّل)، مما يعكس حنيناً جماًّ وارتباطاً نفسيّاً يصعب فصله.
- "يَبْسُطُ ذِرَاعَهُ الطَوِيلَةَ": (لديه أذرع يمكنه بسطها للوصول والربط).
- "مِنْ بَيْنِ أَصَابِع يَدَيْهِ": (لديه يدان وأصابع تنبعث منها الأضواء).
- "عُيُونِ النَوَافِذِ": (تشبيه النوافذ بالعيون الناظرة).
دلالة العلاقة:
تجسيد الحيّ وإضفاء تلك الصفات البشريّة عليه يُحوِّله من كتلة من البناء والأحجار إلى كيان حيّ له حضور وشخصيّة. تلك العلاقة الوللغايةنيّة والحميميّة تُظهر أنّ السارد لا يرى الحيّ مجرّد مكان، بل رفيق ذو ذاكرة وحياة. إنّها علاقة انتماء عميق، إذ يتفاعل السارد مع الحيّ ككائن يُشاركه الوجود ويتذكّره بكلّ حواسه (الرائحة، البصر، اللمس المُتخيَّل)، مما يعكس حنيناً جماًّ وارتباطاً نفسيّاً يصعب فصله.
5- تتجاوز عودة "مرتضى الشامخ" إلى حيّه مجرّد زيارة المكان إلى استرجاع جزء من حياته، بل هي عودة لاسترجاع حياته كاملة، وعودة إلى تاريخه وماضيه. وهذا الأمر نستنتجه في قول السارد:
- "يَعُودُ إِلَيْهَا بِقَلْبٍ جَدِيدٍ، يَسْتَنْشِقُ هَوَاءَهَا القَديمَ" (عودة وللغايةنيّة وحسيّة).
- "فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ تَتَرَدَّدُ أَصْدَاءٌ مُخْتَلِطَةٌ مِن المَاضِي: أُنَاسٌ وَأَصْوَاتٌ، وَحَوَادِثٌ، وَمَبَانٍ، وَنَغَمَاتٌ قَدِيمَةُ تَصْعَدُ مِنَ القَلْبِ." (استحضار كامل لمشاهد وصور وذكريات الماضي الشخصي).
- "إِنَّهُ يَتَوَغَّلُ فِي الأَمَاكِنِ التِي سَتَفتَحُ بَابَهَا عَلَى مَاضِيهِ، لِيُقَلِّبَ صَفْحَاتِهِ، وَيُعِيدَ القِرَاءَةَ مِنْ جَدِيدٍ." (تعامل مع المكان ككتاب يروي سيرته ويُعيد قراءتها).
تلك العبارات تُؤكّد أنّ الزيارة هي رحلة في الذاكرة واستعادة لحياة كاملة عاشها، وليست مُجرّد مُشاهدة مكانيّة.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقدِّمُ النصُّ نموذجاً تطبيقيّاً رفيعاً لـ:
- فنِّ الوصف وخلقِ الصورةِ الفنيةِ.
- التقنياتِ الأسلوبية كالتجسيدِ والاستعارةِ والتشخيصِ.
- العلاقةِ الجدليةِ بين الإنسانِ والمكان في الأدب.
- كتابةِ النصوصِ الانطباعيةِ التي تدمجُ بين المشهدِ الخارجيِّ والعاطفةِ الداخليةِ.
الخلاصة:
النصُّ هو رحلةٌ في عمقِ المكانِ وذاكرةِ الزمانِ، يُظهرُ كيفَ تُخزِّنُ الأمكنةُ العتيقةُ قصصَ الناسِ، وتصبحُ زيارةُ تلكَ الأمكنةِ عمليةً لاستعادةِ جزءٍ من الهويةِ وكشفِ طبقاتِ الزمنِ الشخصيِّ.
عودة إلى لوحة محور الحيّ - محاور نصوص العام السابعة أساسي