شرح نصّ العمّ باخير - علي الدوعاجي - العام السابعة أساسي - محور الحيّ
النصّ
كَانَ في الحَارَةِ التي وُلِدْتُ فِيها عَجُوزٌ سَقَّاء، يُسَمّى «العمّ باخير»، وَكَانَ رَجُلاً خَيِّراً
طَيِّبَ القَلْبِ وَرِعاً لَمْ نَعْثُرْ لَهُ على زَلَّةٍ قَطُّ، إلاَّ أَنَّهُ كَانَ شَاذًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ فِي شُذُوذِهِ
مَا يُحَبِّبُهُ إِلَيْنَا نَحْنُ صِبْيَةَ الحَارَةِ، وَيُثِيرُ فِينَا اسْتَطَلَاعَنَا، وَيَجْعَلُنَا نَتَرَصَّدُ حَرَكَاتِهِ كُلَّهَا. كَانَ
(عمّ باخير) خَفيفَ الرُوحِ دَمِيمًا دَمَامَةً عَلَيْهَا مِسْحَةٌ مِنَ جَمَالِ التَّنَاسُبِ مِمَّا يَجْعَلُ
دَمَامَتَهُ مَقْبُولَةً. فَالأَنْفُ البَارِزُ الْمُكَوَّرُ تَعْلُوهُ عَيْنَانِ حَمْرَاوانِ تَحْتَهُمَا فَمْ وَاسِعٌ لَهُ شَفَةٌ
سُفْلَى مُتَوَرّمَةٌ مُتَدَلَّيَةٌ، وَعَلَى الجَمِيعِ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الإِشْرَاقِ وَطِلَاءُ مِنَ البِشْرِ.
وَمِمَّا يَزِيدُ فِي خِفَّةِ ظِلَّهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْلِكُ صُنْدُوقَ مَلَابِسَ، بَلْ كَانَ يَرْتَدِي كُلَّ مَا
يَشْتَرِيهِ، كُنَّا نَرَاهُ طِيلَةَ يَوْمِهِ، إِمَّا فِي عَمَلِهِ بَيْنَ السَّبَّالَةِ والبَيُوتِ، أَوْ جَالِسًا عَلَى عَتَبَةِ
المَسْجِدِ يَذْكُرُ اللَّهَ سِرًّا وَجَهْراً، أَمَّا فِي اللَّيْلِ...
كَانَ (عمّ باخير) يَسْكُنُ مَخْزَنًا وَهَبَهُ لَهُ أَحَدٌ أَثْرِياءِ الْحَارَةِ لِيَسْتَغِلَّهُ فِي مُقَابِلَ اعْتِنَائِهِ
بِحِمَارٍ يَمْلِكُهُ صَاحِبُ المَخْزَنِ، وَكَانَ حِمَارًا «مُنَبِّهًا» أَعْني أَنَّهُ لَا يَنْهَقُ إِلاَّ فِي سَاعَةٍ
بَعَيْنِهَا: سَاعَةِ الغُرُوبِ. وَمَا يَكَادُ (عمّ باخير) يَسْمَعُ نَهِيقَ رَفِيقِهِ حَتَّى يُقْفِلَ رَاجِعاً إِلَى
المَخْزَنِ وَيُوَصَدَ بَابَهُ بِكُلِّ المَفاتيح وَالمَتَارِيسِ، وَتَبْتَدِئُ حَيَاتُهُ اللَّيْلِيَّةُ ...
وَبَعْدَ أَنْ يُزَوِّدَ بُيُوتَ الْحَارَةِ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَاءٍ، يُخَصِّصُ لِنَفْسِهِ القِربَ الثَلاثَ الأَخِيرَةَ
وَيَسْكُبُهَا فِي بِرْمِيلٍ كَبِيرٍ. وَكُنَّا نَحْنُ الصِبْيَةَ نَتَجَسَّسُ عَلَى (عمّ باخير) تَجَسُّسًا مُشِينًا لَوْ
كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَجَسُّسٌ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَاهُ نَوعًا مِنَ الفُرْجَةِ» البَرِيئَةِ تُسَلِّينَا لاَ أَكْثَرَ وَلاَ أَقَلَّ.
كَانَتْ فِي بَابِ الْمَخْزَنِ ثُقُوبٌ بِعَدَدِ أَعْيُنِنَا الصَغِيرَةِ، فَكُنَّا نَرَاهُ يَتَعَشَّى أَوَّلاً مَا يَجُودُ
بِهِ صَاحِبُ المَخْزَنِ، ثُمَّ يُوقِدُ شَمْعَاتٍ عَدِيدَةً حَوْلَهُ، وَيَضَعُ الشُّمُوعَ المُلْتَهِبَةَ حَوْلَ البِرْمِيلِ
عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ يَضَعُ خَشَبَةً عَلَى فَمِ البِرْميلِ أَفُقِيًّا، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَاضِعًا رِجْلَيْهِ فِي
المَاءِ، وَيَأْخُذُ «قَصَبَتَهُ» وَيُرَبِّتُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَنَانٍ وَيَضَعُهَا بِكُلِّ تُؤَدَةِ وخُشُوعٍ عَلَى شَفَتَيْهِ
وَيَضَعُ أَصَابِعَهُ عَلَى ثُقُوبِهَا وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي نَوَيْتُ العَزْفَ لِرُوحِ أُمِّي وَأَبِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ»
وَيَأْخُذُ فِي الْعَزْفِ.
... حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا يَوْمَ لَمْ تَرَ (عمّ باخير)، وَعَلِمْنَا مِنْ نِسْوَةِ الْحَارَةِ أَنَّهُ مَرِيضٌ
بِشَلَلٍ حَلَّ بِرِجْلَيْهِ، وَأَنَّ صَاحِبَ المَخْزَنِ حَمَلَهُ إِلى بَيْتِهِ وَأَوْكَلَ إلى بَنَاتِهِ شَأْنَ تَطْبِيبِ
العَجُوزِ وَالسَّهِرِ عَلَيْهِ وَخِدْمَتِهِ.
مَاتَ (العمًّ باخير) مَسَاءَ يَوْمِ الخَمِيسِ السَّادِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ أَمَامَ
الفَتَيَاتِ وَهُنَّ يَسْقِينَهُ مَاءَ الزَهْر...
لاَقَيْتُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَحَدَ رُفَقَاءِ الْصِّبَا مِمَّنْ كَانَ يَصْحَبُنَا إِلَى سَمَاع تَزْمِير (عمَ باخير)، وَتَذَكَّرْنَا تِلْكَ الأَيَّامَ، وَتَذَكِّرْنَا ثُقُوبَ بَابِ الْمَخْزِنِ وَسَأَلْتُهُ:
- مَا فَعَلَتِ الْأَيَّامُ بِالْمَخْزَنِ؟
قَالَ: اِكْتَرَتْهُ إِحْدَى جَمْعِيَّاتِ المُوسِيقَى، أَرَأَيْتَ أَعْجَبَ مِن هَذِهِ الصُدَفِ؟
التقديم:
«العَمُّ باخِير» نَصٌّ سَرْدِيٌّ لِلْكَاتِبِ التُونِسِيّ عَلِيّ الدُوعَاجِي، وَمَأْخُوذٌ مِنْ رِوَايَةِ «سَهِرْتُ مِنْهُ اللَّيَالِي»، أقْصُوصَةُ "مَوْتُ العَمّ بَاخِير" ص84 وص85. وَهْوَ نَصٌّ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مِحْوَر الحَيّ.
موضوع النصّ ومحاوره الرئيسة:
يَنْدَرِجُ هَذَا النَّصُّ تَحْتَ أَدَبِ الذِّكْرَيَاتِ وَالْبُورْتْرِيهَاتِ (الرُّسُومِ الشَّخْصِيَّةِ الْعَمِيقَةِ)، وَهُوَ قِصَّةٌ تَسْتَنْطِقُ ذَاكِرَةَ الطُّفُولَةِ لِتَصْفَ شَخْصِيَّةً فَرِيدَةً كَانَتْ مِلْءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِي حَارَةِ الطُّفُولَةِ.
الفكرة العامة:
يَسْتَرْجِعُ الرَّاوِي ذِكْرَى "العَمِّ بَاخِيرَ"، السَّقَّاءِ العَجُوزِ الغَرِيبِ الأَطْوَارِ فِي حَارَتِهِ، مُحْتَفِيًا بِطِيبَتِهِ وَشُذُوذِهِ، وَمُسَلِّطًا الضَّوْءَ عَلَى سِرِّهِ الأَعْظَمِ: عَادَتِهِ اللَّيْلِيَّةِ فِي العَزْفِ عَلَى المِزْمَارِ حَزَنًا عَلَى وَالِدَيْهِ، ثُمَّ يَخْتِمُ بِمَشْهَدِ وَفَاتِهِ الهَادِئِ وَمَصِيرِ مَخْزَنِهِ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى مَقَرٍّ لِجَمْعِيَّةٍ مُوسِيقِيَّةٍ، فِي لَمْحَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَنْ دَوَرَانِ الحَيَاةِ.
المحاور الرئيسة:
* مِحْوَرُ شَخْصِيَّةِ «العَمِّ بَاخِيرَ» (بُورْتْرِيهٌ لِرَجُلٍ غَرِيبٍ وَخَيِّرٍ):
المسألة: وَصْفٌ كَامِلٌ لِهَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُتَفَرِّدَةِ.
التَّفَاصِيلُ الرَئِيسَةُ:
- الخُلُقُ: رَجُلٌ خَيِّرٌ طَيِّبُ القَلْبِ وَرِعٌ، لَا يُعْثَرُ لَهُ عَلَى زَلَّةٍ.
- المَظْهَرُ (الغَرِيبُ): وَصْفٌ تَفْصِيلِيٌّ لِوَجْهِهِ الدَّمِيمِ (الأَنْفُ البَارِزُ، العَيْنَانِ الحَمْرَاوَانِ، الفَمُ الوَاسِعُ، الشَّفَةُ السُّفْلَى المُتَوَرِّمَةُ)، وَلَكِنَّ جَمَالَ التَّنَاسُبِ وَطَلَاءَ البِشْرَةِ يَجْعَلَانِ هَذِهِ الدَّمَامَةَ مَقْبُولَةً.
- السُّلُوكُ (الغَرِيبُ): لَا يَمْلِكُ صُنْدُوقَ مَلَابِسَ (يَرْتَدِي كُلَّ مَا يَشْتَرِيهِ)، حَيَاتُهُ مُقَسَّمَةٌ بِدِقَّةٍ (يَوْمٌ لِلْعَمَلِ وَالذِّكْرِ، لَيْلٌ لِلْخَلْوَةِ وَالعَزْفِ).
* مِحْوَرُ حَيَاةِ الْعَمِّ بَاخِيرَ السِّرِّيَّةِ اللَّيْلِيَّةِ (العَزْفُ حَزَنًا عَلَى الوَالِدَيْنِ):
المسألة: كشْفُ سِرِّ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مَوْضِعَ تَجَسُّسِ وَفُكَاهَةِ الصِّبْيَةِ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- المَسْكَنُ: يَسْكُنُ مَخْزَنًا مُقَابِلَ العِنَايَةِ بِحِمَارٍ.
- طَقْسُ العَزْفِ: يَسْتَعِدُّ بِإِيقَادِ شُمُوعٍ حَوْلَ بِرْمِيلِ المَاءِ، يَجْلِسُ وَيَضَعُ قَدَمَيْهِ فِي المَاءِ.
- الإِهْدَاءُ الوَجِدَانِيُّ: "اللَّهُمَّ إِنِّي نَوَيْتُ العَزْفَ لِرُوحِ أُمِّي وَأَبِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ". (هَذَا هُوَ قَلْبُ السِّرِّ وَسِرُّ القَلْبِ).
- رِوَايَةُ الصِّبْيَةِ: يَرْصُدُونَهُ مِنْ خِلَالِ ثُقُوبِ البَابِ "كَنَوْعٍ مِنَ الفُرْجَةِ البَرِيئَةِ"، غَيْرَ مُدْرِكِينَ عُمْقَ مَا يَفْعَلُ.
* مِحْوَرُ مَوْتِ الْعَمِّ بَاخِيرَ وَتَرِكَتِهِ:
المسألة: نِهَايَةُ الشَّخْصِيَّةِ وَمَا تَرَكَتْهُ مِنْ أَثَرٍ شِعْرِيٍّ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- المَرَضُ وَالرِّعَايَةُ: يُصَابُ بِالشَّلَلِ، فَيَنْقُلُهُ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ إِلَى بَيْتِهِ وَتَعْتَنِي بِهِ بَنَاتُهُ.
- المَوْتُ الهَادِئُ: يَمُوتُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُسْقَى "مَاءَ الزَّهْرِ" أَمَامَ الْفَتَيَاتِ – مَشْهَدٌ بَهِيٌّ وَرَقِيقٌ.
- مَصِيرُ الْمَخْزَنِ (الصُّدْفَةُ العَجِيبَةُ): يَصِفُ صَدِيقُ الطُّفُولَةِ أَنَّ الْمَخْزَنَ قَدِ "اُكْتُرِيَ مِنْ قِبَلِ إِحْدَى جَمْعِيَّاتِ الْمُوسِيقَى". هَذِهِ الصُّدْفَةُ الجَمِيلَةُ تَخْتِمُ القِصَّةَ بِحلْقَةٍ دَائِرِيَّةٍ: المَكَانُ الَّذِي كَانَ مَوْطِنَ سِرٍّ مُوسِيقِيٍّ حَزِينٍ، يَصِيرُ مَقَرًّا لِلمُوسِيقَى العَامَّةِ.
* مِحْوَرُ نَظْرَةِ الصِّبْيَةِ وَذِكْرَى الطُّفُولَةِ:
المسألة: كَيْفَ رَأَى الأَطْفَالُ العَمَّ بَاخِيرَ ثُمَّ كَيْفَ تَذَكَّرُوهُ.
التَّفَاصِيلُ الدَّالَّةُ:
- كَانَ مَوْضِعَ حُبٍّ وَاسْتِطْلَاعٍ لَهُمْ لِشُذُوذِهِ.
- كَانُوا يَتَرَصَّدُونَهُ وَيَتَجَسَّسُونَ عَلَيْهِ دُونَ إِدْرَاكٍ لِقَدَاسَةِ لَحْظَتِهِ.
- الحدِيثُ فِي الْحَاضِرِ مَعَ صَدِيقِ الطُّفُولَةِ يُؤَكِّدُ أَنَّ تِلْكَ الذِّكْرَى ظَلَّتْ حَيَّةً وَغَنِيَّةً.
الإجابة عن الأسئلة:
1- قَسِّمْ النَصَّ إِلَى وَحْدَتَينِ تَنْتَهِي أُولاَهُمَا عِنْدَ القَوْلِ "يَأْخُذُ فِي العَزْفِ" ، أَذْكُرْ مِعْيَارَ هَذَا التَقْسِيمِ وَاِخْتَرْ لِكُلِّ وَحْدَةٍ عُنْوَاناً.
1- الْمِعْيَارُ: الِانْتِقَالُ مِنْ سِيرَةِ الْعَمِّ بَاخِيرَ الْحَيَّةِ (مَظْهَرُهُ، عَمَلُهُ، طَقْسُهُ اللَّيْلِيُّ) إِلَى رِثَائِهِ وَبَقَاءِ أَثَرِهِ بَعْدَ رَحِيلِهِ.
* الوَحْدَةُ الأُولَى: مِنْ بِدَايَةِ النَّصِّ: "كَانَ فِي الحَارَةِ الَّتِي وُلِدْتُ فِيهَا عَجُوزٌ سَقَّاءٌ..." إِلَى قَوْلِهِ: "...وَيَأْخُذُ فِي الْعَزْفِ."
العُنْوَانُ: التَّعْرِيفُ بِالْعَمِّ بَاخِيرَ وَالكَشْفُ عَنْ طَقْسِهِ اللَّيْلِيِّ.
* الوَحْدَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ قَوْلِهِ: "حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا يَوْمَ لَمْ تَرَ الْعَمَّ بَاخِيرَ..." إِلَى نِهَايَةِ النَّصِّ.
العُنْوَانُ: مَرَضُ الْعَمِّ بَاخِيرَ وَمَوْتُهُ وَبَقَاءُ ذِكْرَاهُ
2- رَسَمَ السَّارِدُ للعَمِّ «باخير» صُورَةً تَقُومُ على التَّقَابُلِ بَينَ المَلاَمِحِ الجِسْمِيَّةِ وَالصِفَاتِ المَعْنَويَّةِ، وَضِّحْ ذَلِكَ مِنْ خِلاَلِ الوَحْدَةِ الأُولَى.
رَسَمَ السَّارِدُ صُورَةً قَائِمَةً عَلَى التَّقَابُلِ (المُفَارَقَةِ) بَيْنَ مَظْهَرِ الْعَمِّ بَاخِيرَ الْخَارِجِيِّ وَجَوْهَرِهِ الدَّاخِلِيِّ:
المَلاَمِحُ الْجِسْمِيَّةُ (الظَّاهِرُ الدَّمِيمُ):
- "قَصِيرُ الْقَامَةِ".
- "مُسْتَدِيرُ الْبَطْنِ".
- "أَصْلَعُ الرَّأْسِ".
- "دَاكِنُ الْوَجْهِ".
- "أَصْفَرُ الأَسْنَانِ".
- "الأَنْفُ البَارِزُ المُكَوَّرُ".
- "عَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ".
- "فَمٌ وَاسِعٌ لَهُ شَفَةٌ سُفْلَى مُتَوَرِّمَةٌ مُتَدَلِّيَةٌ".
الصِّفَاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ (الْجَوْهَرُ الْجَمِيلُ):
- "رَجُلاً خَيِّراً طَيِّبَ الْقَلْبِ".
- "وَرِعاً".
"لَمْ نَعْثُرْ لَهُ عَلَى زَلَّةٍ قَطُّ".
- "خَفِيفَ الرُّوحِ".
- "دَمَامَةٌ عَلَيْهَا مِسْحَةٌ مِنْ جَمَالِ التَّنَاسُبِ".
- "عَلَى الْجَمِيعِ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الْإِشْرَاقِ وَطِلَاءُ مِنَ الْبِشْرِ".
- "الْعَزْفُ لِرُوحِ أُمِّهِ وَأَبِيهِ".
تَوْضِيحُ التَّقَابُلِ (الْمُفَارَقَةِ):
- المُفَارَقَةُ الْأُولَى: بَيْنَ الدَّمَامَةِ الْجَسَدِيَّةِ وَطِيبَةِ الْقَلْبِ. فَالرَّجُلُ قَبِيحُ الْمَظْهَرِ لَكِنَّهُ خَيِّرٌ وَرِعٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ خَطَأٌ.
- المُفَارَقَةُ الثَّانِيَةُ: بَيْنَ الْهَيْئَةِ الْغَرِيبَةِ وَخِفَّةِ الرُّوحِ. فَمَعَ كُلِّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، هُوَ خَفِيفُ الظِّلِّ مَحْبُوبٌ عِنْدَ الصِّبْيَةِ.
- المُفَارَقَةُ الثَّالِثَةُ (الْكُبْرَى): بَيْنَ هَذَا الْجَسَدِ الدَّمِيمِ وَالرُّوحِ الشَّفَّافَةِ الَّتِي تَعْزِفُ بِاللَّيْلِ لِرُوحِ أَبَوَيْهِ. هُنَا يَتَجَلَّى الجَمَالُ الْحَقِيقِيُّ.
- نُكْتَةُ السَّارِدِ الذَّكِيَّةُ: قَوْلُهُ: "دَمَامَةً عَلَيْهَا مِسْحَةٌ مِنْ جَمَالِ التَّنَاسُبِ"، أَيْ أَنَّ الدَّمَامَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ مَقْبُولَةً لِأَنَّ الرُّوحَ الْجَمِيلَةَ كَانَتْ تُشِعُّ مِنْ خَلْفِهَا.
الخُلاَصَةُ:
- التَّقَابُلُ فِي صُورَةِ الْعَمِّ بَاخِيرَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْجَمَالَ الْحَقِيقِيَّ جَمَالُ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ، وَأَنَّ الْمَظْهَرَ الْخَارِجِيَّ لَا يَعْكِسُ دَائِمًا كُنْهَ الْإِنْسَانِ. فَهَذَا الرَّجُلُ الدَّمِيمُ كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ رِقَّةً وَوَفَاءً وَإِيمَانًا.
3- بَيِّنْ وُجُوهَ الطَرَافَةِ فِي شَخْصِيَّةِ العمّ «باخير»، ثُمَّ وَضِّحْ دَوْرَهَا فِي عَلَاقَتِهِ بِأَهْلِ الحَيِّ.
أَوَّلاً: وُجُوهُ الطَّرَافَةِ (الْغَرَابَةِ وَالْعَجَبِ) فِي شَخْصِيَّةِ الْعَمِّ «بَاخِيرَ»:
- الطَّرَافَةُ فِي الْمَظْهَرِ (الشُّذُوذُ الْجَسَدِيُّ):
* الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّمَامَةِ وَالْقَبُولِ: "دَمَامَةً عَلَيْهَا مِسْحَةٌ مِنْ جَمَالِ التَّنَاسُبِ".
* تَفَاصِيلُ وَجْهِهِ الْغَرِيبَةِ: "الْأَنْفُ الْبَارِزُ الْمُكَوَّرُ"، "عَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ"، "فَمٌ وَاسِعٌ لَهُ شَفَةٌ سُفْلَى مُتَوَرِّمَةٌ مُتَدَلِّيَةٌ".
- الطَّرَافَةُ فِي السُّلُوكِ الْعَامِّ:
* لاَ يَمْلِكُ صُنْدُوقَ مَلَابِسَ، بَلْ يَرْتَدِي كُلَّ مَا يَشْتَرِيهِ.
* تَقْسِيمُ وَقْتِهِ بِدِقَّةٍ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْجُلُوسِ عَلَى عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ.
- الطَّرَافَةُ فِي حَيَاتِهِ اللَّيْلِيَّةِ (الْأَعْجَبُ):
* يَعِيشُ فِي مَخْزَنٍ وَيَعْتَنِي بِحِمَارٍ لَا يَنْهَقُ إِلَّا عِنْدَ الْغُرُوبِ!
* طَقْسُهُ السِّرِّيُّ: إِيقَادُ شُمُوعٍ كَثِيرَةٍ حَوْلَ بِرْمِيلِ الْمَاءِ، وَالْجُلُوسُ وَقَدَمَاهُ فِي الْمَاءِ.
* دُعَاؤُهُ الْغَرِيبُ قَبْلَ الْعَزْفِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي نَوَيْتُ الْعَزْفَ لِرُوحِ أُمِّي وَأَبِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ".
ثَانِيًا: دَوْرُ هَذِهِ الطَّرَافَةِ فِي عَلَاقَتِهِ بِأَهْلِ الْحَيِّ:
- جَلْبُ اسْتِطْلاَعِ الصِّبْيَةِ وَتَعَلُّقِهِمْ بِهِ:
* قَوْلُهُ: "وَلَعَلَّ فِي شُذُوذِهِ مَا يُحَبِّبُهُ إِلَيْنَا نَحْنُ صِبْيَةَ الْحَارَةِ، وَيُثِيرُ فِينَا اسْتِطْلَاعَنَا".
* كُلُّ مَا كَانَ غَرِيبًا فِيهِ كَانَ سَبَبًا فِي حُبِّ الصِّبْيَةِ لَهُ وَتَرَقُّبِهِمْ لِحَرَكَاتِهِ.
- خَلْقُ جَوٍّ مِنَ الْفُرْجَةِ وَالتَّسْلِيَةِ (التَّجَسُّسُ الْبَرِيءُ):
* "وَكُنَّا نَحْنُ الصِّبْيَةَ نَتَجَسَّسُ عَلَى الْعَمِّ بَاخِيرَ تَجَسُّسًا مُشِينًا لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَجَسُّسٌ".
* "وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَاهُ نَوْعًا مِنَ الْفُرْجَةِ الْبَرِيئَةِ تُسَلِّينَا".
- تَحَوُّلُ الْغَرَابَةِ إِلَى مَوْضُوعٍ لِلذِّكْرَى الْجَمِيلَةِ:
* بَقِيَتْ صُورَةُ الْعَمِّ بَاخِيرَ فِي ذَاكِرَةِ الصِّبْيَةِ حَتَّى بَعْدَ كِبَرِهِمْ، كَمَا فِي حَدِيثِ الرَّاوِي مَعَ صَدِيقِهِ فِي آخِرِ النَّصِّ.
* تَذَكُّرُهُمْ لِـ "ثُقُوبِ بَابِ الْمَخْزَنِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الذِّكْرَى ظَلَّتْ حَيَّةً.
- إِثَارَةُ الْإِعْجَابِ بَدَلَ السُّخْرِيَةِ:
* رَغْمَ غَرَابَةِ طَقْسِهِ اللَّيْلِيِّ، إِلَّا أَنَّ الصِّبْيَةَ لَمْ يَسْخَرُوا مِنْهُ، بَلْ تَأَمَّلُوا مَشْهَدَهُ وَاحْتَرَمُوا طَقْسَهُ.
* قِرَاءَةُ دُعَائِهِ قَبْلَ الْعَزْفِ تُظْهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ جَانِبَهُ الرُّوحِيَّ.
الخُلاَصَةُ:
الطَّرَافَةُ فِي شَخْصِيَّةِ الْعَمِّ بَاخِيرَ لَمْ تَكُنْ لِلتَّهَكُّمِ أَوِ السُّخْرِيَةِ، بَلْ كَانَتْ سَبَبًا فِي تَعَلُّقِ أَهْلِ الْحَيِّ (وَبِخَاصَّةٍ الصِّبْيَةِ) بِهِ. فَقَدْ جَعَلَتْهُمْ يُرَاقِبُونَهُ، يَتَسَلَّوْنَ بِمَشَاهِدَتِهِ، ثُمَّ يَكْتَشِفُونَ عَالَمَهُ الدَّافِئَ، فَيَتَحَوَّلُ مِنْ "شَخْصٍ غَرِيبٍ" إِلَى "ذِكْرَى جَمِيلَةٍ" تَظَلُّ عَابِرَةً لِلزَّمَنِ.
4- تَضَامَنَ أَهْلُ الحَيِّ مَعَ العَمِّ «باخير»، عَيِّنْ مَظَاهِرَ هَذَا التَّضَامُنِ اِنْطِلَاقاً مِنَ الوَحْدَةِ الثَّانِيَةِ.
مَظَاهِرُ تَضَامُنِ أَهْلِ الْحَيِّ مَعَ الْعَمِّ «بَاخِيرَ» فِي الْوَحْدَةِ الثَّانِيَةِ:
- الْحُزْنُ الْجَمَاعِيُّ عَلَى غِيَابِهِ:
* "حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا يَوْمَ لَمْ تَرَ الْعَمَّ بَاخِيرَ".
* هَذَا الْحُزْنُ لَمْ يَكُنْ لِأُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ شَمِلَ الْحَارَةَ بِأَكْمَلِهَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَكَانَتِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
- الاهْتِمَامُ بِمَعْرِفَةِ خَبَرِهِ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ:
* "وَعَلِمْنَا مِنْ نِسْوَةِ الْحَارَةِ أَنَّهُ مَرِيضٌ".
* تَوَافَرَتِ الْمَعْلُومَاتُ عَنْ حَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ مِنْ خِلَالِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ أَهْلِ الْحَيِّ.
- الرِّعَايَةُ وَالْكَفَالَةُ فِي الْمَرَضِ:
* "وَأَنَّ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ حَمَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ".
* صَاحِبُ الْمَخْزَنِ لَمْ يَتْرُكْهُ وَحِيدًا، بَلْ نَقَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ وَاعْتَنَى بِهِ.
- التَّطْوِيعُ الْخَاصُّ لِخِدْمَتِهِ:
* "وَأَوْكَلَ إِلَى بَنَاتِهِ شَأْنَ تَطْبِيبِ الْعَجُوزِ وَالسَّهَرِ عَلَيْهِ وَخِدْمَتِهِ".
* بَنَاتُ صَاحِبِ الْمَخْزَنِ تَطَوَّعْنَ لِرِعَايَتِهِ صِحِّيًّا وَالسَّهَرِ عَلَيْهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَضَامُنٍ عَائِلِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ.
- الْوَفَاءُ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ:
* مَاتَ "أَمَامَ الْفَتَيَاتِ وَهُنَّ يَسْقِينَهُ مَاءَ الزَّهْرِ".
* هَذَا الْمَشْهَدُ يُصَوِّرُ رِعَايَتَهُنَّ لَهُ حَتَّى اللَّحْظَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ.
- بَقَاءُ ذِكْرَاهُ فِي الْحَيِّ:
* سُؤَالُ الرَّاوِي بَعْدَ سَنَوَاتٍ: "مَا فَعَلَتِ الْأَيَّامُ بِالْمَخْزَنِ؟"
* هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَّ بَاخِيرَ ظَلَّ مَوْجُودًا فِي ذَاكِرَةِ الْحَيِّ حَتَّى بَعْدَ رَحِيلِهِ.
خُلاَصَةُ مَظَاهِرِ التَّضَامُنِ:
الْمَظْهَرُ: الْحُزْنُ الْجَمَاعِيُّ، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: "حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا"
الْمَظْهَرُ: الِاهْتِمَامُ بِالْخَبَرِ، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: "وَعَلِمْنَا مِنْ نِسْوَةِ الْحَارَةِ"
الْمَظْهَرُ: الْكَفَالَةُ فِي الْمَرَضِ، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: "حَمَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ"
الْمَظْهَرُ: التَّطْوِيعُ لِلْخِدْمَةِ، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: "السَّهَرِ عَلَيْهِ وَخِدْمَتِهِ"
الْمَظْهَرُ: الرِّعَايَةُ حَتَّى الرَّمَقِ الْأَخِيرِ، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: "وَهْنَ يَسْقِينَهُ مَاءَ الزَّهْرِ"
الْمَظْهَرُ: بَقَاءُ الذِّكْرَى، التَّجْسِيدُ فِي النَّصِّ: سُؤَالُ الرَّاوِي عَنِ الْمَخْزَنِ
الْفِكْرَةُ الْجَوْهَرِيَّةُ:
الْعَمُّ بَاخِيرَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ شَخْصٍ غَرِيبٍ يَعِيشُ فِي الْحَيِّ، بَلْ كَانَ جُزْءًا مِنْ نَسِيجِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ. فَلَمَّا مَرِضَ، تَضَامَنَ الْجَمِيعُ مَعَهُ، وَعِنْدَمَا مَاتَ، بَقِيَتْ ذِكْرَاهُ. التَّضَامُنُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ عَطْفٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ اجْتِمَاعِيٌّ نَابِعٌ مِنَ الِانْتِمَاءِ لِنَفْسِ الْحَارَةِ.
5- ادْرُسُ ظُرُوفَ وَفَاةِ العمّ «باخير» (التَوْقِيتُ - المَشْهَدُ - أَثَرُهَا في أَهْلِ الحَيِّ)، وَاسْتَجْلِ مِنْ ذَلِكَ مَكَانَةَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ بَيْنَ أَهْلِ الحَيِّ.
ظُرُوفُ وَفَاةِ الْعَمِّ «بَاخِيرَ»:
* التَّوْقِيتُ: "مَسَاءَ يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ".
* الْمَشْهَدُ: "أَمَامَ الْفَتَيَاتِ وَهُنَّ يَسْقِينَهُ مَاءَ الزَّهْرِ".
* أَثَرُهَا فِي أَهْلِ الْحَيِّ: "حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا".
تَحْلِيلُ الظُّرُوفِ:
* التَّوْقِيتُ (دَلالَةُ رَمَضَانَ):
- مَوْتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ يُضْفِي عَلَى الْوَفَاةِ قَدَاسَةً وَرُوحَانِيَّةً.
- شَهْرُ الصِّيَامِ وَالرَّحْمَةِ يَتَنَاسَبُ مَعَ شَخْصِيَّةٍ كَانَتْ وَرِعَةً تَذْكُرُ اللَّهَ سِرًّا وَجَهْرًا.
- يَوْمُ الْخَمِيسِ فِي الإِسْلاَمِ يُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ. فقد قال صلى الله عليه وسلم: تُعرضُ الأعمالُ يومَ الإثنين والخميسِ فأُحِبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ.
* الْمَشْهَدُ (النِّهَايَةُ الْهَادِئَةُ):
- "أَمَامَ الْفَتَيَاتِ": لَمْ يَمُتْ وَحِيدًا، بَلْ فِي حَضْرَةِ مَنْ رَعَيْنَهُ وَاحْتَضَنَّهُ فِي مَرَضِهِ.
- "وَهْنَ يَسْقِينَهُ مَاءَ الزَّهْرِ": هَذِهِ الصُّورَةُ تَحْمِلُ رَمْزِيَّةً جَمِيلَةً:
+ الْمَاءُ عُنْصُرُ حَيَاتِهِ (كَانَ سَقَّاءً).
+ مَاءُ الزَّهْرِ يُرْمِزُ لِلطِّيبِ وَالرَّاحَةِ وَالِاحْتِرَامِ.
+ فِي اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةِ، لَا عَزْفَ وَلاَ تَجَسُّسَ، بَلْ سَكِينَةٌ وَدُعَاءٌ.
* أَثَرُهَا فِي أَهْلِ الْحَيِّ:
- "حَزِنَتِ الْحَارَةُ كُلُّهَا": هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَّ بَاخِيرَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نَزِيلٍ فِي الْحَيِّ، بَلْ كَانَ جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ نَسِيجِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْوِجْدَانِيِّ.
مَكَانَةُ الْعَمِّ «بَاخِيرَ» بَيْنَ أَهْلِ الْحَيِّ (اسْتِنْتَاجًا):
* مَكَانَةٌ عَاطِفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ:
- حُزْنُ الْحَارَةِ كُلِّهَا يَعْنِي أَنَّ الْعَمَّ بَاخِيرَ كَانَ مَحْبُوبًا لَدَى الْجَمِيعِ، رَغْمَ غَرَابَتِهِ وَشُذُوذِهِ.
* مَكَانَةٌ أُسَرِيَّةٌ (لَيْسَ غَرِيبًا):
- رِعَايَةُ بَنَاتِ صَاحِبِ الْمَخْزَنِ لَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَيَّ احْتَضَنَهُ كَأَحَدِ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ الْكُبْرَى، لاَ كَشَخْصٍ غَرِيبٍ يَعِيشُ عَلَى الْهَامِشِ.
* مَكَانَةٌ رُوحِيَّةٌ:
- مَوْتُهُ فِي رَمَضَانَ وَحُضُورُ هَذَا الْمَشْهَدِ الْهَادِئِ يُضْفِي عَلَيْهِ هَيْبَةً وَيُؤَكِّدُ أَنَّ النَّاسَ رَأَوْا فِيهِ رَجُلاً صَالِحًا يَسْتَحِقُّ خَاتِمَةً حَسَنَةً.
* مَكَانَةٌ خَالِدَةٌ فِي الذَّاكِرَةِ:
- بَقَاءُ ذِكْرَاهُ وَسُؤَالُ الرَّاوِي عَنْ مَخْزَنِهِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ يَعْنِي أَنَّ الْعَمَّ بَاخِيرَ ظَلَّ حَيًّا فِي ضَمِيرِ الْحَيِّ، وَأَنَّ تِلْكَ الطَّرَافَةَ الَّتِي كَانَتْ تُمَيِّزُهُ صَارَتْ جُزْءًا مِنْ تُرَاثِ الْحَارَةِ.
الْخُلاَصَةُ:
مَشْهَدُ وَفَاةِ الْعَمِّ بَاخِيرَ يُؤَكِّدُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يُقَاسُ بِمَظْهَرِهِ، بَلْ بِمَا يَتْرُكُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ. هَذَا الرَّجُلُ الدَّمِيمُ الْبَسِيطُ اسْتَحَقَّ أَنْ تَحْزَنَ لِفِرَاقِهِ حَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَنْ تَرْعَاهُ فَتَيَاتٌ فِي آخِرِ لَحَظَاتِهِ، وَأَنْ يَظَلَّ اسْمُهُ مَذْكُورًا بَعْدَ رَحِيلِهِ. إِنَّهَا مَكَانَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلاَّ أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الطَّيِّبَةِ وَالأَرْوَاحِ الشَّفَّافَةِ.
القيمة التعليميّة / الأدبيّة:
يُقَدِّمُ النَّصُّ نَمُوذَجًا رَائِعًا لِـ:
- بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ المُرَكَّبَةِ (البُورْتْرِيه العَمِيق): مِنْ خِلاَلِ:
+ وَصْفٍ دَقِيقٍ لِلْمَظْهَرِ الخَارِجِيِّ غَيْرِ المَأْلُوفِ.
+ كَشْفِ البَاطِنِ الطَّيِّبِ وَالتَّقِيِّ.
+ رَصْدِ العَادَاتِ الشَّاذَّةِ وَالرُّوتِينِ اليَوْمِيِّ.
+ الكَشْفِ التَّدْرِيجِيِّ عَنِ العَالَمِ الدَّاخِلِيِّ (سِرُّ العَزْفِ الحَزِينِ).
- تَقْنِيَةُ الكَشْفِ التَّدْرِيجِيِّ وَبِنَاءُ التَّشَوُّفِ: حَيْثُ يُقَدِّمُ الرَّاوِي الشَّخْصِيَّةَ فِي بَدَايَةٍ غَامِضَةٍ وَشَاذَّةٍ ("شَاذًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ")، ثُمَّ يَرْفُضُ القَارِئُ مَعَهُ إِلَى تَفَاصِيلَ أَعْمَقَ (المَخْزَنُ، اللَّيْلُ، طَقْسُ العَزْفِ، دُعَاءُ الإِهْدَاءِ)، فَيَتَكَشَّفُ الغُمُوضُ وَيَتَحَوَّلُ إِلَى تَعَاطُفٍ وَإِدْرَاكٍ.
- ضَرْبُ المِفْتَاحِ الرَّمْزِيِّ (المُوسِيقَى وَالمَاءُ):
+ المَاءُ: يَرْتَبِطُ بِحِرْفَتِهِ (السَّقَّاءَةِ) وَبِطَهَارَتِهِ الرُّوْحِيَّةِ (يَجْلِسُ وَقَدَمَاهُ فِي المَاءِ أَثْنَاءَ العَزْفِ).
+ المُوسِيقَى (التَّزْمِيرُ): هِيَ لُغَةُ حُزْنِهِ وَتَرْحِهِ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَسَبِيلُهُ لِلْخَلَاصِ الرُّوحِيِّ. هَذَا يُحَوِّلُ العَمَّ بَاخِيرَ مِنْ شَخْصِيَّةٍ هَامِشِيَّةٍ إِلَى فَنَّانٍ حَزِينٍ.
- جَمَالِيَّةُ النِّهَايَةِ وَالِاخْتِتَامِ الدَّائِرِيِّ:
+ النِّهَايَةُ الأُولَى (المَوْتُ): مَوْتُهُ فِي مَشْهَدٍ شِعْرِيٍّ بَهِيٍّ ("مَاءَ الزَّهْرِ" فِي رَمَضَانَ).
+ النِّهَايَةُ الثَّانِيَةُ (مَصِيرُ المَكَانِ): تَحَوُّلُ المَخْزَنِ إِلَى جَمْعِيَّةِ مُوسِيقَى. هَذِهِ "صُدْفَةٌ" فَنِّيَّةٌ عَبَقَرِيَّةٌ تَخْلُقُ رَابِطَةً شِعْرِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً: فَالمَكَانُ الَّذِي احْتَضَنَ سِرَّ فَنَّانٍ حَزِينٍ يَصِيرُ مَعْهَدًا لِذَلِكَ الفَنِّ نَفْسِهِ. هُوَ اخْتِتَامٌ يُؤَكِّدُ انْتِصَارَ الرُّوحِ وَبَقَاءَ الجَمَالِ.
- رِوَايَةُ الذِّكْرَى مِنْ زَاوِيَتَيْنِ:
+ زَاوِيَةُ الطُّفُولَةِ (المَاضِي): بِرَاءَةُ التَّجَسُّسِ وَعَدَمُ فَهْمِ عُمْقِ المَشْهَدِ.
+ زَاوِيَةُ الرَّاشِدِ (الحَاضِرُ): الفَهْمُ وَالإِدْرَاكُ لِقِيمَةِ تِلْكَ الذِّكْرَى وَجَمَالِهَا المُرَّ.
- الوَصْفُ الحِسِّيُّ الحَيُّ: يَجْعَلُ القَارِئَ يَرَى الوَجْهَ الدَّمِيمَ، يَسْمَعُ نَهِيقَ الحِمَارِ، يُشَاهِدُ وَمِيضَ الشَّمْعِ حَوْلَ البِرْمِيلِ، وَيَشْعُرُ بِجَدِّيةِ وَقُدْسِيَّةِ طَقْسِ العَزْفِ.
الخلاصة:
هَذَا النَّصُّ هُوَ وَثِيقَةٌ عَنْ قُوَّةِ الْحَيِّ الشَّعْبِيِّ كَمُؤَسَّسَةٍ لِلنَّجَاةِ. فَعِنْدَمَا تَعْجِزُ الدَّوْلَةُ وَتَنْهَارُ الْأَسْوَاقُ، يَظْهَرُ الْحَيُّ كَبَدِيلٍ أَخْلَاقِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ: هُوَ شَبَكَةُ الْأَمَانِ الَّتِي تَمْنَعُ الْجَوْعَى مِنَ الْمَوْتِ (بِالْقُرُوشِ وَكِسْرَاتِ الْخُبْزِ)، وَهُوَ الْمَدْرَسَةُ الَّتِي تُعَلِّمُ أَطْفَالَهُ قَانُونَ التَّضَامُنِ ("..وَنَقْسِمَ كِسْرَةَ الخُبْزِ..")، وَهُوَ مَصْدَرُ الْكَرَامَةِ حَيْثُ يَجِدُ الْإِنْسَانُ سَعَادَتَهُ فِي عَطَائِهِ لِجَارِهِ. لَيْسَتِ الْأُمُّ هُنَا سِوَى صَوْتِ الْحَيِّ وَضَمِيرِهِ الحَيِّ، تُرَبِّي ابْنَهَا لِيَكُونَ حَلَقَةً جَدِيدَةً فِي سِلْسِلَةِ الْعَطَاءِ الَّتِي تَحْفَظُ بَقَاءَ الْجَمِيعِ. النَّصُّ يُقَدِّمُ رُؤْيَةً لِلْحَيِّ لَيْسَ كَمَجْمُوعَةِ مَنَازِلَ، بَلْ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ.