
ركن المعارف الشاملة
سلسلة المؤلفات العلميّة للناشئين
فنّ التستّر
كيف ينصهر الحيوان في الطبيعة؟
استعمال الألوان والأشكال
استعمال الألوان والأشكال
على أنّه لا بأس من الإشارة كذلك إلى حيوانات أخرى عديدة تمتاز بنفس الخاصية. فحيوانات البراري أو التي تعيش بأوراق الشجر تمتاز بخضرة لونها، ونذكر كمثال على ذلك الجرادة الخضراء الكبيرة وغيرها من الحشرات. وضفدع الشجر الأخضر وجملة من الحيات والعظايات. كما أن صيادي السمك يعرفون جيدا أنه من الصعب رؤية الكمهة في القاع الموحل، وأن الغجوم يكاد لا يرى في القاع الرملي.
ثم إن جملة من الأجناس تمثلها أصول تختلف باختلاف الوسط الذي تعيش فيه، ومثال ذلك قداد همستر بأمريكا، فهو أبيض في المناطق الرملية البيضاء وأسود في المناطق الحممية الضاربة إلى السواد. ولا يقتصر تغير لون الحيوان بتغير لون المحيط على الأصول المختلفة فقط، بل أنه يلاحظ كذلك على أفراد الأصل الواحد، كما هو الشأن بالنسبة للهرمين والأرنب المتغير، والثعلب القطبي واللغبد (حجل الثلوج)، وكلها يتغير لون وبرها أو ريشها الأبيض في فصل الشتاء، فيصبح أسمر أو أصهب في فصل الصيف. ولا بد أن نلاحظ أنه إلى جانب الحيوانات التي يبيض لونها في الشتاء، توجد جملة من الحيوانات الأخرى التي تقوى على العيش في ذلك الفصل، دون أن يتغير لونها الأدكن، كالزبلين والرنة وغيرهما.
ظلال وأضواء
إن الحيوان متى أضيء من فوق، بدا من تحت أوفر دكنة، فيزداد شكله وضوحا. فهل من محض الصدف إن كانت أغلب الحيوانات أوفر تلونا في الظهر منها في البطن؟ بل إن أكثره مشرق البطن، فإذا نظرت إليه من تحت، إشتبه عليك بإشراقة السماء، وإشراقة سطح الماء، في حين تختلط عليك ظهور السمك الدكناء. حين تنظر إليها من فوق، بدكنة المياه العميقة. (مثلا زرقة الإسقمري الداكنة وزرقة الرنكة).
زركشة الوبر
قد يبلغ فيها الإتقان ذروته، من إذ تمازج الألوان والظلال، وامحاء معالم الجسم، فالخطوط متى ما كانت في المنصة الملائم تغطي الشكل وتطمسه، فتصبح التخاديد المتوازية مجدية في تغطية الحيوان وتساعد النتوءات على الاختفاء في تشابك الفروع وأوراق الشجر.
وومن ثم جعلت زينة الوبر في الزرافة من الصعب تحديد مكانها في السباسب بين أشجار الأقاقيا. ثم إنه لا بد من التنبيه علاوة على جميع ذلك إلى ما يحدث من اختلاف في الرؤية، باختلاف الناظر فالببر مثلا، متى كان بين الأعشاب الطويلة يصبح مرئيا بالنسبة إلينا رغم تخاديده العمودية. ولكنه لا يبصر إلا بصعوبة في صورة أخذت له بالأبيض والأسود، في نفس المكان. كما أنّ فراخ طائر كالزقزاق المذهب تجد في ألوانها وأشكالها وسيلة للتستر.
![]() |
| تبدو سمكة المنجلية رقيقة الجسم متى ما نظر إليها جانبيا فلا تكاد ترى – وبالرغم من طول شكلها فإن تحركاتها المستمرة، وتخاديدها العمودية تجعلك لا تستطيع التثبت من وجودها فتشتبه عليك. |
لا شك أن الحيوانات التي لا تبصر العالم إلا من خلال اللونين الأبيض والأسود قليلة للغاية. غير أن أغلب الحيوانات لا ترى الألوان كما نراها نحن.
بشكل ضخم ما يعزز هذا الأمر المفعول مفعول التمويه نفسه، ففرخ الزقزاق المرتاع في عشه يتسطح، في حين يتحجر الواق بين أعراف القصب فلا يتحرك، وتمتد رقبته، ويتجه منقاره نحو السماء. أما القواع المضبوط في مكمنه فيلاصق الأرض وتنسبل أذناه على جسمه ويذوب في التربة.
![]() |
| تبدو تلك السمكة العجيبة في شكل يسروع الفراشة بتخاديدها العمودية التي تساعدها على الاختفاء بين الحشائش. |
إذ أن لمعانها مجلبة لأنظار المتطفلين، وعلى هذا الأمر الأساس تخفي الحيات والأسماك، والحيوانات البرمائية عيونها وسط أشرطة دكناء تندرج بينها، فيختفي لمعانها الفاضح.
الحيوانات التي تحذق تغيير ألوانها
تستطيع جملة من الحيوانات تغيير ألوانها إلى أن تتلاءم مع ألوان الوسط المحيط بها، وأول ما يخطر بالبال في هذا الأمر الشأن، الحرباء طبعا. غير أن غيرها مما يمتاز بتلك المقدرة كثير، فمن الزواحف نذكر الإغوانة والجرذون وكلاهما يستطيع تحويل لونه الأخضر إلى الأسمر.
![]() |
| حرباء بين الأوراق |
ولتبين ما نذهب إليه، ضع مجموعة من شراغيف الضفادع في حوض مائي أبيض القاع، وبعضها الآخر في حوض مماثل أسود القاع، فستلاحظ أن الشراغيف الأولى يصبح لونها في ظرف ساعات أوفر اشراقا من الشراغيف الثانية، ولنا في هذا الأمر الشأن أمثلة أخرى. فالضفدعة الخضراء تمضي الشتاء غاطسة في الوحل، فإذا اخرجتها وجدتها سوداء. غير أن الأعجب في هذا الأمر الميدان هو كيف يزين ضفدع الشجر الأخضر ثوبه بلطخات أو أشرطة سمراء ويحول لونه الأخضر إلى لون رمادي ضارب إلى الصفرة أو إلى لون أسمر.
وتتمتع جملة من عديمات الفقار بامكانيات مماثلة، كجملة من القشريات والحشرات والعناكب والحبار والأخطبوط وغيرها من رأسيات الأرجل.


