المكتبة/الحركة العماليّة والمذاهب الاشتراكيّة - الثورة الصناعيّة ونموّ الدول الغربيّة

الحركة العماليّة والمذاهب الاشتراكيّة - الثورة الصناعيّة ونموّ الدول الغربيّة

8‏/5‏/2017


الثورة الصناعيّة ونموّ الدول الغربيّة

 الحركة العماليّة والمذاهب الاشتراكيّة 


بدأت الحركة العمّاليّة والمذاهب الاشتراكيّة في الظهور حين أدركت الطبقة الشغيلة أنّ مصالحها تتناقض ومصالح أصحاب المؤسّسات الصناعيّة.
فقد كان العمّال إثر ظهور الثورة الصناعيّة يساندون الطبقة البورجوازيّة الرأسماليّة. ظنّا منهم أنّ مصالحهم هي نفس مصالح هؤلاء. إلاّ أنّ حرمانهم من الأرباح الطائلة التي تجمّعت لدى الطبقة البرجوازيّة بفضل جهد العمّال المتواصل المضني وبؤسهم وشقائهم وقسوة حياتهم، كلّ ذلك زيادة على نموّ عددهم ونضجهم ووعيهم دفعهم إلى محاولة التخلّص من هذا الأمر الوضع الاجتماعي المضني عن طريق النضال الاشتراكي والنقابي.
وقد ازداد حرصهم على ذلك سيما بعدما تأكّد لديهم موقف الحكومات الأوروبيّة المنحاز إلى الطبقة البرجوازيّة.

I- الإشكالية العماليّة :
كان للتطوّر الاقتصادي في ظلّ النظام الرأسمالي أكبر الأثر على ظهور الإشكالية العماليّة المتمثّلة في العلاقة بين العامل وصاحب المؤسّسة من جهة وبين العامل والدولة من جهة ثانية، ذلك أنّ الدولة كانت تحمي النظام الرأسمالي الليبرالي وتنحاز إليه. وقد تفاقمت تلك الإشكالية واشتدّت حدّتها خاصّة في النصف الثاني من القرن XIX وترجع أسباب ذلك إلى :

1)- الظلم الاجتماعي :
لم يتمتّع العمال بالثروة القوميّة التي كانت نتاج جهودهم بنفس ما تمتّع بها الرأسماليون. فقد كانت الأجور ضعيفة لا تتماشى ومستوى الحياة وتطوّر ونموّ الإنتاج والثروة، فقد بلغ أجر البنّاء الفرنسي في باريس سنة 1911 (0.95) فرنكا في الساعة بعدما كان 0.42 فرنكا، تلك الزيادة في الأجور تمثل نسبة 126% بينما ازداد الدخول القومي في نفس الفترة بنسبة 184%.
ولئن استعمل القسط الذي حرم منه العمال في تمويل المشاريع الاقتصاديّة إلا أنّ ذلك لم يبرّر في نظر العمال حرمانهم من حقوقهم فاعتبروا ذلك ظلما اجتماعيّا واستبدادا وسلبا لحقوقهم من طرف الطبقة الرأسماليّة التي ازداد ثراؤها على حسابهم.

2)- تطوّر التدريس :
كان لانتشار التدريس بين مختلف الطبقات الاجتماعيّة الأثر البالغ في نشر الوعي خاصّة لدى الطبقات العماليّة التي ازداد وعيها وشعورها بالحرمان. ففي فرنسا مثلا انخفضت نسبة الأميّة لدى الكهول فيما بين 1847 و1869 من 36% إلى 16% وأقلّ من 2% سنة 1913.

3)- التجمّع العمّالي :
كان للتقدّم التقني والصناعي وما ترتب عنهما من ظهور مؤسّسات صناعيّة مركّزة في مناطق خاصّة تأثير واضح في تجميع العمال. هذا الأمر التجمّع الذي مكّن الطبقة العماليّة من إدراك وحدتها في الشقاء والمصالح والمطالب ومن تقدير فاعليّة قوّتها ودورها في الحياة الاقتصاديّة.
وقد ترتّب عن هذا الأمر أن ظهرت الإشكالية العماليّة التي تولّدت عنها حركتان متوازيتان ومختلفتان في نفس الوقت هما :

أ- الحركة الأولى :
وهي الحركة التي تزعّمها رجال الفكر تحدوهم رغبة إنسانيّة في سبيل إزالة شقاء الطبقتان الكادحة ورفع مستواها.
فأخذ هؤلاء يبحثون عن حلّ لهذا الأمر المشكل الاجتماعي فتوصّل البعض نظريّا إلى ضرورة تغيير النظام الاقتصادي الرأسمالي وذلك بتغيير ملكيّة وسائل الإنتاج وتغيير العلاقة بين رأس المال والعمل وتوزيع الأرباح. فظهرت نتيجة ومن ثم الحركة الاشتراكيّة التي اعتمدت الثورة أساسا لتغيير النظام الاقتصادي الرأسمالي وتحقيق العدالة الاجتماعيّة للطبقة العماليّة.

ب- الحركة الثانية :
وهي الحركة الناتجة عن وعي العمال أنفسهم، فقد كوّن العمال جمعيّات ومنظّمات للدفاع عن مصالحهم فنشأت الحركة النقابيّة التي أخذت على عاتقها الدفاع عن مصالح العمال دون المساس بالنظام الاقتصادي الرأسمالي. ومن هنا كانت الحركة النقابيّة متماشيّة مع النظم السياسيّة الرأسماليّة شريطة عدم انحيازها إلى الطبقة الرأسماليّة.
وهكذا نشأت تحت تأثير الأوضاع العماليّة السيئة حركتان مختلفتان في الطرق متحدتان في الأهداف ذلك أنّ كلاهما تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة.

II- الحركة الاشتراكيّة :
1)- المذاهب الاشتراكيّة :
برزت في الربع الأول من القرن XIX النظريّة الاشتراكيّة كنتيجة حتميّة لبؤس الطبقة العاملة وقسوة معيشتها. فقد ظهرت في تلك الفترة مذاهب فكريّة تدعو إلى الإصلاح وتتسم بالنظرة الإنسانيّة، استطاعت أن تضع البذور الأولى للفكر الاشتراكي وتكوّن أصول الاشتراكيّة العلميّة.

أ- الاشتراكيّة الخياليّة :
 بدأت تلك الحركة في مطلع القرن XIX واقتصر روادها أمثال سان سيمون (1760-1835) وشارل فوريي (1772-1837) وروبار أوين (1771-1858) وغيرهم على انتقاد النظام الرأسمالي وكشف عيوبه، ودعوة ملحّة إلى إعادة تنظيم المجتمع الرأسمالي من حديث وتوزيع الثروة توزيعا عادلا إنسانيّا، على أنّ رغبتهم تلك لم تكن وليدة دراسة علميّة للنظام الاقتصادي والاجتماعي والفكري وإنّما نتيجة نظرة مثاليّة خياليّة رحيمة وموقف متسم بالعطف والحنان على البؤساء والفقراء، وذلك أنّهم رأوا أن سموّ الروح والأخلاق سيحرّك في النفس البشريّة النوايا الحسنة لإنصاف الطبقات الكادحة وتمكينها من حقوقها.
ومن هنا كانت نظرتهم الاشتراكيّة نظرة خياليّة تدعو إلى إقامة مجتمع مثالي بعيد كلّ البعد عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الرأسمالي.

ب- الاشتراكيّة العلميّة :
لم توفق الاشتراكيّة الخياليّة إلى حلول عمليّة لمشاكل العمال المتزايدة لذا ظهرت الاشتراكية العلميّة التي ترى أن أصل المشكل لا يكمن في الأخلاق بل في جوهر النظام الرأسمالي نفسه الذي ينبغي القضاء عليه وذلك بالسيطرة على جميع وسائل الإنتاج وتحويل ملكيتها إلى المجتمع. ومن رواد تلك الحركة المفكّر الألماني كارل ماكس (1818-1883) الذي أطلق على اشتراكيته اسم الاشتراكيّة العلميّة (الماركسيّة) تمييزا لها عن الاشتراكيّة الخياليّة وقد شارك في وضع أسسها رفيقه فردريك أنجلس (1820-1895) ومن مبادئها وأهدافها الأساسية ما يلي :
- الجدليّة الماركسية (الديالكتيك) :
أخذ ماركس فكرة الجدليّة عن هيقل وأعطاها الطابع والمضمون العلمي، ومن أهم أسسها:

  • أنّ الطبيعة متماسكة فلا بالإمكان إدراك أي ظاهرة متى أخذناها منعزلة عن الظواهر الأخرى.
  • أنّ الطبيعة متحرّكة متغيّرة فكلّ شيء في حالة تغيير وتجدّد وتطوّر فإن انحل شيء تولّد عنه شيء آخر.
  • أنّ التغيير ليس مجرّد حركة نموّ بسيطة تؤدي إلى تغيير كمّي بل هو تغيير كيفي يحدث فجأة في خطّ حلزوني. 
  • أنّ التغيير والتطوّر يحدثان نتيجة صراع بين المتناقضات، بين السلبي والإيجابي، بين القديم والجديد، بين عناصر الاضمحلال وعناصر التطوّر، هذا الأمر الصراع بين الأضداد هو المضمون الداخلي لحركة التطور، تلك هي أهمّ المميّزات الرئيسة للجدليّة الماركسيّة التي هي جدليّة ماديّة عكس جدليّة هيقل المثاليّة.


- التفسير المادي للتاريخ : 
إنّ مختلف الأنظمة الأساسيّة هي وليدة الحياة الماديّة للمجتمع، ذلك أنّ الوضع الاقتصادي هو أساس كلّ تحوّل اجتماعي وسياسي. ومن هنا كان دور الأبطال والملوك والعباقرة ورجال الدين في التاريخ دورا معبّرا عن حركة الجماهير وإرادتها.
فعلى دارسي التاريخ حسب النظريّة الماركسيّة التعمّق في الدراسة عن حياة المجتمع الاقتصادي نظرا لأنّها هي أساس كلّ تطوّر وتحوّل سياسي واجتماعي. 

- الصراع الطبقي : 
يرى ماركس أنّ المجتمع البشري منذ أقدم العصور كان في صراع مستمرّ بين المستغِلين والمستغَلين بين السادة والعبيد بين النبلاء والعامّة. وفي عصره بين الرأسماليين والعمال، فلقد قامت البرجوازيّة بدور ثوري قضت به على النظام الإقطاعي وخلقت طبقة حديثة هي الطبقة العاملة لتكون وريثتها ومبيدتها في نفس الوقت، فالطبقة الرأسماليّة لن تستطيع القضاء على الطبقة العماليّة (البروليتاريا) نظرا لأنّ وجودها لا غنى عنه لوجود الرأسماليّة ولأنّها جزء من كيانها وتطوّر الرأسماليّة يؤدّي حتما إلى تطوّر الطبقة العماليّة لتصبح قادرة على القضاء على الرأسماليّة التي تحمل بذور فنائها في نفسها.

- فائض القيمة :
يحدّد ماركس قيمة السلعة بكميّة العمل المبذول لإنتاجها غير أنّ العامل لا يتقاضى كامل تلك القيمة بل يتحصّل على جزء بسيط منها، والفرق بين ما يحصل عليه من أجر وما أنتجه من قيمة هو فائض القيمة التي يذهب إلى الطبقة الرأسماليّة فتنمو ثروتها على حساب العمال، ومن هنا نشأت طبقة مستغِلّة وطبقة مستغَلّة. لذا كان التناقض وكان الصراع الطبقي.
تلك هي أهمّ المبادئ التي قامت عليها الماركسيّة أمّا أهدافها وطرق تطبيقها فستتمثل في: 
تحقيق العدالة الاجتماعيّة وذلك بالقضاء على عدالة البرجوازيّة الرأسماليّة وتعويضها بدولة بروليتاريّة اشتراكيّة أساسها الملكيّة الجماعيّة لجميع وسائل الإنتاج. ولا يتمّ ذلك إلاّ عن طريق الثورة وتنصيب دكتاتوريّة البروليتاريا في مرحلة أولى انتقاليّة تنتهي بإقامة مجتمع ديمقراطي حقيقي تنعدم فيه الطبقيّة وتتحقّق العدالة الاجتماعيّة.

تلك هي الماركسيّة فما هو تأثيرها وما هو مدى انتشارها؟

لقد كان انتشار وتأثير الماركسيّة في العالم بطيئا ومحدودا نسبيا، فقد تأسّس في ألمانيا أعظم حزب ماركسي. أمّا في فرنسا فلم تتوحّد النزعات الاشتراكيّة إلاّ بعد مؤتمر أمستردام سنة 1905. ولم تجد الماركسيّة نجاحا حقيقيّا إلاّ في روسيا إذ تمكّن لينين سنة 1903 من التأثير على الحزب البلشفي وإقناعه باتباع المذهب الماركسي فقامت الثورة الشيوعيّة الماركسيّة اللينينيّة في روسيا البلد الزراعي سنة 1917.

ج- الاشتراكية الإصلاحيّة :
انفصل عن الاشتراكيين الماركسيين جماعة نادوا بتحقيق العدالة الاجتماعيّة عن طريق الإصلاح فعرفوا بالاشتراكيين المصلحين الذين اعتقدوا بمبدأ التطوّر التدريجي البطئ لتحقيق اشتراكيّة قوميّة توفّر العدالة بين مختلف أصناف المجتمع عن طرق القوانين والتشريعات البرلمانيّة دون القضاء على المجتمع الرأسمالي.
وقد برزت تلك الحركة الاشتراكيّة خاصّة في ألمانيا وتزعّمها الحزب الاشتراكي الديمقراطي وفي إنقلترا تزعّمها الحزب العمالي، ومن هنا كانت تلك الحركة حركة مرحليّة قوميّة.

د- الاشتراكيّة الفوضويّة :
إنّ النظريّة الفوضويّة هي الصورة المتطرّفة للنظريّة الفرديّة، وكلمة فوضويّة معناها "لا حكم" ولهذا فإنّ أنصارها يستنكرون المجتمع البرجوازي كالماركسيين ويرفضون في نفس الوقت الدولة الاشتراكيّة ودولة البروليتاريا.
فالغاية الأساسيّة للمذهب الفوضوي هو القضاء على الدولة مهما كان نوعها، وتجريدها من كلّ دور سياسي واقتصادي، فلا قانون ولا محاكم ولا شرطة بل هناك مجتمع حرّ متعاون لا يحترم سوى سلطة العقل والمعرفة.
ولتحقيق ذلك فلا بدّ من الثورة لتخليص الفرد من كلّ الضغوط المسلّطة عليه، فطاعة الغير في نظر الفوضويين هي تنازل عن تلك الكرامة فلا طاعة لله ولا لأي كان، ومن أبرز رواد تلك الحركة الاشتراكية :
- برودون (1809-1864) الذي عرف بتفكيره الغامض وشعاراته المتطرّفة، "الملكيّة سرقة".
- باكونين (1814-1876) الذي زاحم ماركس في الدولية الأولى ومن مؤلفاته "الدولة والفوضى".
- بلانكي (1805-1881) وهو من أتباع "بابوف" وكان له تأثير ضخم على الاشتراكيين الفرنسيين، ومن هنا يبدو أنّ الاشتراكيّة الفوضويّة في حقيقة أمرها إيديولوجيّة أوفر منها نظريّة علميّة.

2)- الاشتراكيّة والتضامن الأممي :
كان للاشتراكيّة نزعة دوليّة منذ نشأتها فجميع مؤيّدي الاشتراكيّة نادوا بفكرة التضامن والإخاء الإنساني دون اعتبار للقوميّة. فقد نادى كارل ماكس بضرورة وحدة العمال "يا عمال العالم اتّحدوا" فنشأ تكتّل لجميع عمال العالم تجاوز النطاق القومي إلى النطاق الأممي غايته الدفاع عن مصالح العمال.

أ- الدوليّة الأولى :
نشأت الدوليّة الأولى في لندن سنة 1864 تحت اسم الجمعية العمالية الدولية، وعاشت إثني عشر عاما. وكان نشاطها محدودا إذ اضمحلت سنة 1876 إثر اصطدام ماركس وأنصاره بباكونين وفوضويته القاتلة المدمرة.

ب- الدوليّة الثانية :
ازداد الوعي العمّالي في النصف الثاني من القرن XIX وتجلّى ذلك بانفصال الطبقة العاملة عن نفوذ وفير من الأحزاب البرجوازيّة الليبراليّة وقيام أحزاب اشتراكيّة في معظم البلاد الرأسماليّة. فنمت تبعا ومن ثم روح التضامن الدولي وظهرت الدعوة إلى إنشاء دوليّة عماليّة ثانية وذلك سنة 1879 إذ انعقد المؤتمر التأسيسي وحضره 391 مندوبا يمثّلون الحركة الاشتراكيّة العالميّة لعشرين دولة واتخذ المؤتمر عدّة قرارات منها :

  • إنشاء مكتب قارّ على رأسه "فندرفلد" البلجيكي.
  • الدعوة للنضال بغية يوم الثماني ساعات عمل.
  • الدعوة إلى إنشاء تشريع عمّالي دولي. وفي سنة 1890 اتخذ قرار اعتبار غرّة ماي عيدا عماليّا عالميّا.

وهكذا أصبحت الحركة الاشتراكيّة قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى قوّة دوليّة بنشيدها الأممي وعلمها الأحمر وعيدها العالمي. غير أنّ الشعور القومي كان أقوى من الشعور الأممي فعجز الإشتراكيون عن تفادي الدخول في الحرب العالميّة الأولى رغم نزعتهم السلميّة.

III- الحركة النقابيّة :
تمثّل الحركة الاشتراكيّة الوجهة السياسيّة للنضال العمّالي أمّا الحركة النقابيّة فإنّها تمثّل الجانب الاجتماعي والمهني لهذا الأمر النضال.

1)- تنظيم الحركة النقابيّة :
بدأ ظهور الحركة النقابيّة وتنظيمها خلال القرن XIX خاصّة في النصف الثاني منه وذلك نتيجة ازدياد ونموّ النضال العمالي. فقد استطاع العمّال رغم مقاومة الحكومات الرأسماليّة لهم شقّ طريقهم نحو بعث منظّمات نقابيّة بعيدة كلّ البعد عن كلّ اتجاه سياسي وذلك لتحقيق مطامحهم الماديّة من تحديد ساعات العمل وتحسين الأجور.
- ففي إنقلترا نشأت النقابات العماليّة سنة 1868.
- وفي الولايات المتّحدة الأمريكيّة تأسّست الجامعة العامّة للعمل سنة 1895.
وقد ترتّب عن ظهور تلك المنظّمات أن ازداد عدد المنخرطين فيها في مختلف أنحاء العالم وأصبح لتلك النقابات تأثير ضخم على العمّال حتّى على أولائك الذين لم ينخرطوا فيها لارتفاع معلوم الاشتراك، فكان جميع العمال دون استثناء يطبّقون تعليمات المنظمات النقابيّة.

2)- العمل النقابي وأهدافه :
لقد اختلف العمل النقابي باختلاف الأهداف التي كان يرمي إليها من جهة وباختلاف المذاهب الاشتراكيّة من جهة ثانية ومن هنا تعدّدت الاتجاهات النقابيّة.

أ- النقابيّون الإصلاحيّون :
ركّز أنصار الحركة النقابية الإصلاحية عملهم على المطالبة بالحقوق المهنيّة دون التدخّل في الشؤون السياسيّة للدولة الرأسماليّة. وقد نجح هذا الأمر الاتجاه في فرنسا والسويد والولايات المتّحدة الأمريكيّة.
أمّا في بلجيكا وهولندة والنمسا فقد تحالف أنصار هذا الأمر الاتجاه مع الحركة الاشتراكيّة الإصلاحيّة لإقرار قوانين اجتماعيّة عن طريق الإصلاحات البرلمانيّة.

ب- النقابيّون الثوريّون :
اتّجهت الحركة النقابيّة الثوريّة اتجاها معاكسا للحركة النقابيّة الإصلاحيّة فرفضت التعاون مع النظام الرأسمالي والتخلّي عن الصراع الطبقي.
على أنّ وحدة هذا الأمر الاتجاه لم تكن شاملة فقد ظهرت عدة نزعات منها :
- النزعة النقابيّة الماركسيّة التي انتشرت في ألمانيا وكانت ترمي إلى إخضاع حركتهم إلى الحزب الاشتراكي الشيوعي.
- النزعة النقابيّة الفوضويّة وقد انتشرت في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وكانت ترمي إلى تحرير الطبقة العماليّة واستقلالها والقضاء على النظام الرأسمالي عن طريق الثورة المتمثّلة في المقاطعة والتخريب والإضراب العامّ الذي ينبغي استغلاله في كلّ وقت دون مراعاة للظروف والأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة. ذلك أنّ الغاية الأساسي لتلك الحركة هو تقويض الدولة قبل كلّ شيء. ومهما كان الاختلاف في الاتجاهات النقابيّة فقد استطاعت مختلف الحركات النقابيّة تحقيق حياة أفضل للعمال وأصبحت حركة قويّة لها تأثيرها على مجرى حياة البلاد.

IV- نتائج الحركة الاشتراكيّة والنقابيّة :
كانت للحركة الاشتراكيّة والنقابيّة نتائج إيجابيّة حقّقت للعمال ظروفا ماديّة أحسن وحياة اجتماعيّة أفضل تمثّلت في :

1)- تحسين حالة العمّال الماديّة :
واجهت الحركة العماليّة معارضة شديدة من طرف الدولة والكنيسة وأصحاب المؤسّسات الاقتصاديّة والرأي العام البرجوازي. وأمام صمود العمال وتزايد نضالهم أدرك رجال السياسة أنّ القمع والطرد التعسّفي وإغلاق المصانع... لا يجدي نفعا ولا يحلّ الإشكاليات العماليّة. لذا مال الرأي العام البرجوازي إلى ضرورة تحسين ظروف حياة العمال من باب العدالة والرحمة من جهة وخوفا من الثورة من جهة ثانية.
فتمكّنت الحركات العماليّة بفضل قوّتها ونضالها من الضغط على الدولة وأصحاب المؤسّسات الصناعيّة لتجميد الأجور وعدم تخفيضها عند فترات الركود والأزمات الاقتصاديّة وترفيعها في فترات الرخاء والازدهار.
فقام أصحاب المؤسّسات نتيجة لهذا الأمر الضغط المتزايد من جهة ونموّ الإنتاج والإنتاجيّة من جهة ثانية إلى منح العمال قسطا من الأرباح دون مسّ بنسبة تمويلاتهم الاقتصاديّة.

2)- قوانين الشغل :
اضطرت الدولة الرأسماليّة تحت تأثير المطالب الملحّة للحركات النقابيّة والاشتراكيّة رغم أنّها تأبى التدخّل في الشؤون الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى سنّ عدّة قوانين تضمن حقوق العمال وتحدّد ظروف العمل. من ذلك :
أ- صدور عدّة قوانين في أغلب الدول الأوروبيّة تتعلّق بتشغيل النساء والأطفال، فأصبح السنّ الأدنى لتشغيل الصغار بين 10 و13 سنة باختلاف الدول.
ب- صدور قوانين تتعلّق بالكهول حدّدت مدّة العمل اليومي من 9 إلى 10 ساعات، غير أن تلك القوانين لم تطبق إلاّ في جملة من الدول.
ج- أصبحت العطلة الأسبوعيّة إجباريّة خاصّة في فرنسا وذلك سنة 1906.
د- صدور عدّة قوانين تتعلّق بالإسعاف والضمان الاجتماعي بألمانيا البسماركيّة.
فقد اتبع بسمارك سياسة اجتماعيّة جريئة وذلك لمقاومة الحركة الاشتراكيّة فسنّ قوانين عديدة لحماية العمال من الأمراض والحوادث ومساعدتهم في حالة العجز والشيخوخة. 
وحذت حذو بسمارك بقيّة الأقطار الأوروبيّة فسنّت مجموعة من القوانين كانت في جملتها متواضعة بالنسبة لسياسة الضمان الاجتماعي إذ أهملت كما أهمل بسمارك مشكلة البطالة. 

الخاتمة :
لم يتمكّن العمّال قبل الحرب العالميّة الأولى وفي أيّ بلد كان من بعث المجتمع الذي كانوا يطمحون إليه، غير أنّهم استطاعوا رغم ذلك الحصول على حقوقهم الأساسيّة. وقد أدّى تحسّن وضع العمال إلى الحدّ من خطر اندلاع ثورات عماليّة في أوروبا الغربيّة قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى.