
تلوّث البيئة مصادره وأنواعه
لا يجوز نقل مضمون تلك المنصة إلى مواقع أخرى ولو بذكر المصدر
منح الله البيئة القدرة عل تنظيم نفسها ومعالجة جروحها فاستطاعت أن تنظّم درجة حرارتها والتركيب الكيماوي لمكوّناتها المادية، إلاّ أنّها في يومنا هذا الأمر وتحت الضربات المتتالية التي توجه إليها فقدت تلك القدرة، فقد تمادى الإنسان في اعتداءاته عل البيئة، أساء استغلال مواردها فخرب الغابات وجرف الأراضي الزراعيّة، وترك السكان القرى وانتقلوا إلى المدن التي اتسعت دون تخطيط وغالبا عل حساب الأراضي الزراعيّة وجمال الطبيعة، والأهمّ من ذلك كلّه الزيادة الهائلة في عدد السكان، وإذا استمر الإنسان في ممارسة المزيد من التجارب النوويّة واستهلاك الوقود وزيادة عدد السكان فإنّ كلّ الكائنات الحيّة مهدّدة بالكوارث والفناء .
وترتّب على سوء استغلال الإنسان للموارد الطبيعيّة وتوسّعه في استخدام التقنيات المتطوّرة دون أن يراعي شروطا واحتياطات كان ينبغي أن يتخذها قبل تشييد مصنع أو بناء آلة أو جهاز، ظهور آثار سلبيّة لتلك الممارسات المتعسّفة ضد البيئة، وواجهت البشريّة أتعس أمراض المدنيّة والتحضّر الذي أطلق عليه البيئيون تلوّث البيئة.
إنّ الإنسان منذ خلقه الله وهو يلقي بفضلاته إلى البيئة الني يعيش فيها، فعندما حرق الأخشاب والمخلّفات (ثمّ الفحم بعد ذالك) أطلق في الهواء الغازات والجسيمات الضارة، وفي بادئ الأمر م تكن الغازات التي تدخل نطاق الغلاف الجوّي أو المائي ذات أثر بالغ إذ كانت البيئة قادرة على امتصاصها ومعادلتها، كما كانت البيئة قادرة عل احتواء جميع ما يصيبها من جراء العوامل الطبيعيّة كنواتج البراكين والظروف الجويّة السيئة، والكوارث الطبيعيّة الأخرى، وكان الاتزان البيئي قائما مستمرا في ثباته وقوّته إلى أن تزايدت الأنشطة المختلفة للإنسان حينئذ أصبحت البيئة عاجزة عن الحفاظ على اتزانها فكميّة الملوّثات التي تنتجها تلك الأنشطة فاقت قدرتها على احتوائها ومعادلتها .
تشتمل البيئة عل مكوّنات معيّنة وتلعب فيها الطاقة والمادّة دورا رئيسا، فبجانب المكوّنات غير الحيّة توجد المكوّنات الحيّة (الحيوانات والنباتات)، وتتكوّن البيئة من عدد من الأنظمة المشتركة فيما بينها في حدود منتظمة، فالماء في اتصاله بالهواء والأرض وما يحتويه من مكوّنات يسمّى نظاما، والغابات نظام، والصحراء نظام، وكلّ تلك الأنظمة مترابطة وتؤثّر بعضها على البعض، فالهواء فوق الماء يمدّه بالأكسجين اللازم لحياة الكائنات الحيّة المائيّة، وأشعة الشمس الساقطة على سطح البحر تمدّ الكائنات الدقيقة بالضوء فتبنى المقررات الغذائيّة من خلال تفاعل ثاني أكسيد الكربون والماء في وجود الخضاب الخضراء، ولو تغيّر عنصر واحد من عناصر النظام تدهور كلّ النظام وعانت مكوّناته الحيّة من أضرارا بالغة. وكمثال على ذلك ينقص الأكسجين الذائب في الماء نتيجة لارتفاع درجة الحرارة عن المعدّل المعتاد، وفي تلك الحالة لا تجد الأحياء المائيّة كفايتها من الأكسجين وتموت.
ومن خصائص الأنظمة المختلفة أن تعيش فيها أنواع معينة من الكائنات الحيّة، فإذا اختفى نوع منها اختلّ الاتزان وأصبحت أنواع أخرى من تلك الكائنات مهدّدة بالانقراض، وإبادة نوع من أنواع الحيوانات نظرا ل استخدام مبيد قد ينتج عنه تكاثر نوع من الحشرات بشكل رهيب كانت الحيوانات المبادة تتغنى عليه وتحمي البيئة من شروره. ويحتجّ الآن البيئيون في الهند على اصطياد الضفادع وبيعها لفرنسا لتقدّم للناس كغذاء، إذ أدّى اختفاؤها إلى ظهور نوع من البعوض كانت الضفادع تتغذى عليه.
إنّ من أهمّ عوامل اختلال الاتزان البيئي في الأنظمة البيئيّة وجود الملوّثات، وتتلخّص ظاهرة التلوّث في ظهور عدد من المقررات الجديدة في وسط من أوساط البيئة (الهواء والماء والتربة) لم تكن موجودة فيه قبل أو أنّها كانت موجودة غير أن زاد تركيزها. وفي معظم الأحيان يطلق لفظ التلوّث حين تسبّب المقررات الجديدة أو زيادة نسبة المقررات المعتادة في البيئة الأذى للأحياء فيها وتخلّ باتزان النظام البيئي.
وقد لا يكون التلوّث نتيجة للتغيّر في المقررات المكوّنة للنظام البيئي غير أنّه ينتج عن تغيّر في طاقة النظام فإذا ألقينا مثلا بجملة من المقررات المشّعة في مياه البحر أو المحيط فإنّ المادّة المضافة لن تكون ذات أثر في تركيبه الكيماوي بيد أن إشعاعاتها قد تغيّر في خواص الماء الفيزيائيّة وبالذات كميّة الطاقة فيه.
أنواع ومصادر التلوّث البيئي :
1- تلوّث الهواء :
يصبح الهواء ملوّثا حين تدخل مركّبات ضارّة إلى الغلاف الجوّي، كالغازات والتي من أهمّ مصادرها تلك التي تطلقها السيارات ثمّ تأتي إثر ذلك المصانع ومحطّات القوى النوويّة. وفي البلاد النامية يطلق حرق الأخشاب وروث البهائم الكثير من الغازات الضارّة. وقد أدّى تلوث الهواء إلى حوادث مميتة، وربما كان من أثرها أنّ الكثير من البلاد سنّت قوانين تفرض عل الصناعات اتخاذ الاحتياطات الواجبة للحدّ من إطلاق تلك الملوّثات في الجوّ، ومازلنا بحاجة إلى اتخاذ الإجراءات لمواجهة الأخطار المتولّدة عن الزيادة في نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجوّ، وتكوين الأمطار الحمضيّة وصعود مركّبات الفلور وأكاسيد النيتروجين إلى طبقة الأوزون وتهديدها.2- تلوّث التربة :
هو عبارة عن دخول أجسام غريبة في التربة ينتح عنها تغيّر في التركيب الكيماوي والفيزيائي، وغالبا ما ينتح ذلك عن استخدام المبيدات والأسمدة وهطول الأمطار الحمضيّة التي تغير الرقم الهيدروجيني للتربة، وكذلك إلقاء النفايات المشعّة وغيرها.3- تلوّث المياه :
ينتج عن إلقاء الأجسام الصلبة المعلّقة والمقررات العضويّة المستهلكة للأكسجين والتي بصفة رئيسة من مجاري المدن غير المعالجة ومن مصارف الصناعة، فقد اكتشف في المياه انتشار الملوّثات (الكيماويات السّامة والفلزات كالزئبق والزنك والرصاص والكادميوم) ومن أشهر الحوادث التي حدثت نتيجة التسمّم بالزئبق كانت في خليج مينماتا باليابان إذ كان أحد المعامل يلقي بالزئبق في مياهه وتراكم الزئبق في الأسماك، وكانت المأساة إذ ظهرت أعراض الاضطراب العصبي على أولئك الناس الذين أكلوا السمك. كما أنّ أحد أنواع تلوّث المياه هو التلوّث الحراري والذي ينتج من جراء صبّ محطات القوى والمصانع مياه التبريد في مجاري المياه فترتفع حرارتها ويختلّ الاتزان في البيئة المائيّة.4- التلوّث بالكيماويات :
تعتبر المقررات الكيميائيّة مصدر مهمّ من مصادر التلوّث بوجه عام، إذ لا يقتصر تأثيره على النبات والحيوان فحسب بل يتعرّض الإنسان لنفس الأخطار متى أكل من تلك النباتات والحيوانات الملوّثة، كما أنّ الإنسان معرض للكيماويات في مياه الشرب، والمقررات الدوائيّة والمضافات الغذائيّة التي تضاف إلى الأطعمة المحفوظة لاكتسابها لونا أو نكهة طيّبة، أو للمحافظة عليها.وفي عام 1984م شهد العالم أسوأ كارثة بالإمكان أن تحدث عن تسرب مادة كيمائيّة، ففي إحدى مصانع بوبال ني الهند والذي تديره شركة يونيون كربيد Union Carbide تسرّب المنتج الوسيط ايسوثيانات المثيل ethyl Isocyanate من وعاء التفاعل وأدّت الكارثة إلى موت 2500 وإصابة 100.000 من ضمنهم عشرات آلاف أصابهم العمى الذي لا شفاء منه، هذا الأمر بخلاف الخسارة في الحيوانات الأليفة والفطريّة وتلف المحاصيل.
5- التلوّث بالضوضاء :
في هذا الأمر العصر الذي يعاني فيه الإنسان من التوتر العصبي وارتفاع نسبة أمراض القلب، والجهاز الهضمي لابد أن يفكّر في أسباب أمراض العصر هذه، وسوف نجد في خاتمة المطاف أنّ من أهمّ أسباب الإصابة بتلك الأمراض هي الضوضاء وهي تداخل مجموعة من الأصوات العالية والحالة غير مرغوبة يسبّب إزعاج الإنسان وإثارته وتنتج الضوضاء من ازدحام الشوارع بالسيارات ووسائل النقل الأخرى واستخدام الأجهزة المختلفة وبخاصّة أجهزة التكييف في المنازل وأماكن العمل.ينتج عن وجود نويات مشعّة في الجوّ والماء أو مختلطة بالغذاء مصدرها التجارب النوويّة وحوادث المفاعلات النوويّة والمصدر الشائع للتلوّث بالأشعّة هو استخدام الأشعّة في العلاج والتشخيص الطبي، وينبغي الحذر بقدر الإمكان في استخدام جرعات الأشعّة عند العلاج والتثخيص.
6- التلوّث الحيويّ :
يحدث التلوّث الحيويّ حين تدخل جملة من الميكروبات أو الجراثيم أو الطفيليات إلى الوسط ويسبّب إصابة الأحياء بالكثير من الأمراض، والسبب الرئيس للتلوّث الحيويّ هو عدم العناية بنظافة المياه أو الغذاء أو المكان الذي يعيش فيه الإنسان، فقد تتسرّب مياه الصرف الصحّي إلى مستودعات مياه الشرب أو البحار دون معالجة. كذلك رمى فضلات الإنسان والحيوانات دون اكتراث ينتج مأوى للحشرات والفئران فتتكاثر الميكروبات وتنتشر في أوساط البيئة المختلفة.دور الفرد والمجتمع في مواجهة التلوّث :
لقد أدركت الحكومات والجماعات غير الرسميّة في الدول المتقدّمة خطورة التلوّث ومدى الأضرار التي تلحق بمواردها وبمنشآتها وكم تزهق من أرواح نتيجة لحوادث التلوّث الأليمة، وتحركّت لمحاربته وكان أوّل أنشطتها في هذا الأمر الاتجاه عل المستوى الدولي عقد مؤتمر استكهولم حول بيئة الإنسان عام 1972م والذي كان له أكبر الأثر في ترشيد مكافحة التلوّث وإرساء قواعد التعاون الدولي تجاه مشكلات البيئة. وكان من نتائج هذا الأمر المؤتمر أن عُقدت الاتفاقيات الإقليميّة والدوليّة لحماية البيئة.وعل مستوى الدول سنّت الحكومات القوانين الني تفرض على الصناعات أن تساهم في مكافحة التلوّث، كما سنّت الحكومات تشريعات خاصّة بالأمن والسلامة التي ينبغي تطبيقها لحماية العاملين في المصانع كما أقامت الدول المتقدّمة مختبرات مركزيّة لفحص الكيماويات والأدوية والمضافات الغذائيّة ومعرفة مدى تأثيرها عل صحّة الإنسان.
كما قامت المختبرات المتخصّصة في مراكز الدراسات المختلفة وفي الجامعات، بمراقبة الأجواء المحيطة بالمناطق الصناعيّة والمياه المعرضّة للملوّثات لتقدير كميّات الملوّثات فيها، ودراسة الملوّثات في عوادم السيارات وفي أجواء المدن نتيجة لازدحام الطرق ووسائل المواصلات، ومن الجدير ذكره أن قد تطوّرت أجهزة الرصد والمراقبة والقياس بدرجة فائقة ممّا سهّل من اقتفاء أثر الملوّثات.
إنّ أهمّ مسؤوليّات المواطن هو ترشيد الاستهلاك إلى أن يخفّف الضغط على موارد البيئة وتبقى على درجة من السلامة كافية لحفظ الاتزان البيئي، إنّ الرعي الجائر واستخدام وسائل النقل دون الالتفات إلى الأضرار التي تلحق بالغطاء الخضري يزيد من تعريّة التربة، ويقلّل من مساحة الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة كما أنّ تعرية التربة يزيد من تأثير زحف الرمال والعواصف الرمليّة.
ولا يظنّ الإنسان أنّه في مأمن من التلوّث - فالتلوّث يلاحقه في كلّ مكان - فإذا زادت درجة حرارة الجوّ نظرا ل زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون فسوف يقاسي النتائج، وإذا انعدمت طبقة الأوزون في الجوّ فسوف تصيبه الأمراض المترتّبة على ذلك وأخطرها الإصابة بالسرطان، وإذا ظنّ أنّ الأشعة النوويّة لن تقذف بها الرياح إلى أجوائه فهل فكّر أنّ باب الخطر مفتوح عبر الجمارك التي تصلها البضائع المستوردة من الدول التي تلوّثت أجواؤها وأخيرا هل نجت المدن الكبيرة من التلوّث الضوضائي والتلوّث من عوادم السيارات الذي بلغ درجة مخيفة؟
إنّ الأرض مركّبة واحدة ينبغي أنّ يتعاون الناس في الإشراف على العناية بها إلى أن تظلّ صالحة لهم وللأجيال القادمة وذلك بالتعاون والمشاركة الفعليّة في صيانتها، وصدق الله العظيم القائل :