بحث حول تاريخ تطور وسائل الاتصال
منذ الزّمن القديم، ظهرت حاجة كلّ جماعة من الناس، إلى وسائل ترسل عن طريقها الأخبار إلى جماعة أو جماعات أخرى، قريبة أو بعيدة. وتلك نسمّيها "وسائل الاتصال".
وقديما، كانت تلك الاتصالات تتمّ إمّا عن طريق الإشارات البصريّة، مثل النار ليلا، والدخان نهارا.
وإمّا عن طريق الإشارات السّمعيّة، مثل الطّبول والأجراس والصّفّارات.
وكانت تلك الرسائل تنقل إنذارات الخطر، وإعلان الولادة، والزّفاف، أو الوفاة، لكنها كانت عاجزة عن نقل أنواع وفيرة أخرى من الأخبار، كما كانت عاجزة تماما عن نقل الأفكار والفنون والمكتشفات.
ثمّ بدأ استخدام الحمام الزّاجل لنقل الرّسائل والأخبار، غير أنّه كان وسيلة محدودة الاستخدام، ويحيط بها وفير من الأخطار.
ثمّ اكتشف الإنسان الكتابة.
وفي مصر الفرعونيّة، كان الملوك ينقشون على واجهات المعابد أخبار انتصاراتهم وحروبهم، وأخبار ما أقاموه من معابد ومسلاّت، أو ما قامت به سفنهم من رحلات بحريّة طويلة.
وكان حكّام الامبراطوريّة الرومانيّة القديمة، يكتبون الأخبار المهمّة على جدران خاصّة، في الميادين الرّئيسيّة بجميع مدينة، وكانت تلك الجدران أوّل صحف عامّة في التاريخ.
وفي القرون الوسطى، في البلاد الإسلاميّة و العربيّة، وكذلك في المدن الأوروبيّة، كانت الأخبار والأوامر تُنقل إلى الناس بواسطة المُنادي.
كان المُنادي يتنقّل خلال الأسواق والسّاحات العامّة، والطّرق الرئيسية بالمدن، يقرأ بصوت مرتفع البيانات الرّسميّة، وأخبار الأحداث المهمّة.
ويُعدّ "قورش العظيم"، ملك فارس في الفترة من 558 إلى 528 قبل الميلاد، هو مخترع البريد.
فقد استولت جيوش "قورش" على امبراطوريّة واسعة الأرجاء، ومن ثم أقام نظاما للبريد، يتكوّن من مجموعات من راكبي الخيول، يتغيّرون في محطّات تفصل بينها مسافات منتظمة، ينقلون الأوامر والرّسائل والأخبار.
وانتشر هذا الأمر النّظام في العالم كلّه، فقد جعل البريد من السّهل تبادل الأخبار والأفكار.
ثمّ تمّ استخدام السّفن مع الخيل، لنقل البريد عبر الأنهار والبحار.
ثمّ أصبح نقل البريد، يتمّ بالقطارات والسيّارات، ثمّ بالطّائرات.
ثمّ عرفت البشريّة، في القرن الخامس عشر، اختراعا من أعظم ما قدّمته الحضارة الإنسانيّة للبشر، وهو الطّباعة.
وبعد أن كانت الطّباعة تقتصر في مستهل الأمر على الكتب، جاءت فكرة طبع أوراق من عدّة نسخ، تحمل الأنباء الجديدة إلى أعداد ضخمة من النّاس. وهكذا ظهرت الصّحف.
ثمّ تطوّرت أجهزة الطّباعة تطوّرا كبيرا، فظهرت المطابع الضّخمة التي تطبع مئات الآلاف من نسخ الصّحف والمجلات، في وقت قصير جدّا.
وكان اكتشاف الكهرباء هو السّبب في أكبر تقدّم حدث في وسائل الاتصال.
وكان "التّلغراف" أوّل أجهزة الاتصال التي استخدمت الكهرباء، ابتداء من سنة 1837.
وبعد أن كانت السّفن الشراعيّة، في القرن الثامن عشر، تستغرق ثلاثة أسابيع تقريبا لعبور المحيط الأطلنطي من أوربا إلى أمريكا، أصبحت الرّسائل "التّلغرافيّة" تعبر المحيط بمعدّل عشر كلمات في الدّقيقة، حين تمّ مدّ أسلاك الكهرباء في قاع المحيط بين القارّتين.
وفي عام 1876، تمّ اختراع الهاتف "التّليفون" الذي أصبح في يومنا هذا الأمر جزءا رئيسيّا من الحياة اليوميّة الحديثة.
وعن طريق، مدّ أسلاك "التليفون" بين المدن والقارّات. أمكن نقل الأخبار إلى مسافات بعيدة، بسرعة فائقة، وبتكلفة قليلة.
ومن أحدث الابتكارات، "التليفون" الذي نستطيع عن طريقه أن نشاهد ونسمع الشّخص الذي نتّصل به.
كما يتمّ حاليا استخدام "التّليفون" في نقل الصّور والرّسوم والرّسائل المكتوبة.
وفي عام 1895، نجح العالم "ماركوني" في إرسال الرّسائل الصوتيّة إلى مسافات بعيدة، عن طريق "اللاسلكي" وهكذا تمّ اكتشاف المذياع، "الرّاديو".
وأصبح "الرّاديو" والإذاعة، من أهمّ طرق الاتصال، التي يعتمد عليها معظم الناس في معرفة الأخبار القادمة من أنحاء العالم كلّه.
وفي مستهل الأمر لم تكن أجهزة "الرّاديو" الصّغيرة موجودة، أمّا اليوم، فقد أصبح في الإمكان صنع واستخدام أجهزة "راديو" ضئيلة جدّا، بعد اختراع "الترانزستور".
وفي عام 1895م، تمّ اختراع "السينما" والصّور المتحرّكة.
وكانت الأفلام الأولى صامتة، إلى أن تمّ اختراع طريقة يجمع فيها "الفيلم" بين الصّوت والصّورة والموسيقى، وذلك عام 1928.
وقد تغيّرت أساليب التصوير والتقاط المشاهد، منذ اختراع "السّينما" إلى الآن، فالفنّيون يستعملون في يومنا هذا الأمر أجهزة وآلات متطوّرة، سهلة الاستخدام، تُقدّم للناس أفلاما ممتازة التّصوير والتّلوين، واضحة الصّوت، على شاشات ضخمة عريضة.
كما أنّ "استوديوهات السينما" يتمّ فيها جميع مراحل إعداد "الفيلم" قبل عرضه على الجمهور.
وقد انتشرت قاعات عرض الأفلام السينمائيّة في كلّ مدينة وقرية على امتداد العالم كلّه، فأصبحت "السينما" وسيلة من أقوى وسائل الاتصال تأثيرا في جماهير الناس.
وجاء اختراع "التلفاز" أو "التّليفزيون" عام 1924، بعد اختراع "الرّاديو" وبهما أمكن جعل الاتصال مباشرا. بالصّوت والصّورة، لمختلف المسافات، ولكلّ الجماعات البشريّة.
لقد كان للرّاديو والتّليفزيون أكبر تأثير في المجتمع العالمي، بفضل إمكان اتصالهما الفوري بباقي أجزاء العالم.
ويُعدّ "التليفزيون" الملوّن من أهمّ الاختراعات بعد أن كانت صورته بالأبيض والأسود فقط.
وأشعّة "الليزر" نوع خاص من الضّوء القويّ. وتستخدم تلك الأشعّة في الاتصالات، وأصبح من الممكن استخدامها في إرسال الرّسائل.
وفي المستقبل، فقد يستبدل الإنسان أسلاك "التّليفون" بأنابيب من الزّجاج الرّفيع، تحمل حُزم "الليزر" فهي أصغر حجما وأخفّ وزنا، وتوفّر بشكل ضخم من النّفقات، كما تنقل عددا أكبر من المكالمات التّليفونيّة.
وفي عام 1960، تمّ أطلاق أوّل قمر صناعي للاتصالات.
والأقمار الصّناعيّة من صنع الإنسان، وتُستخدم صواريخ قويّة، لإطلاق تلك الأقمار إلى مسافات بعيدة.
وعندما يصل الصّاروخ إلى الفضاء الخارجي، ينفصل القمر عن الصّاروخ، ويتّخذ مدارا حول الأرض.
وجملة من الأقمار الصّناعيّة تقوم بنقل البرامج التّليفزيونيّة والمكالمات التّليفونيّة إلى كلّ أنحاء العالم، علاوة على عدد ضخم من الاستخدامات الأخرى.
وهكذا اتّسعت إلى مدى غير محدود، وسائل الاتصال بين البشر، مهما بالإمكان موقعهم على الكرة الأرضيّة.
عودة إلى اللوحة ملفات وبحوث حسب المسألة