بحث حول تاريخ تطوّر الآلات
كانت الآلات الأولى أدوات بسيطة، استخدمها الإنسان القديم للحفر أو الدّقّ أو القطع.
وفي مستهل الأمر، ربّما قبل مليون سنة، لم يستطع الإنسان إلاّ استخدام العصيّ والأحجار فقط، ليضيف إلى يديه قوّة حديثة.
وكانت العصا أو "الهراوة" هي الأداة والسّلاح الأوّل، الذي استعمله الإنسان القديم للدّفاع، عن نفسه، ضدّ هجمات الحيوانات والوحوش المختلفة.
و"الهراوة" عبارة عن عصا غليظة، تضاعف قوّة ذراع الإنسان.
وقد حاول الرّجل البدائيّ إبعاد قطعة حجر ضخمة كانت تسدّ طريقه، غير أنّه لم يستطع برغم قوّته أن يرفع الحجر، أو أن يُحرّكه من مكانه.
فتناول عصا غليظة، ووضع أحد طرفيها أسفل الحجر، ثمّ أخذ يرفع الطّرف الآخر بشدّة إلى أعلى، فاستطاع تحريك الحجر الكبير. وكان هذا الأمر بداية استخدام "العتلة".
ووجد الرّجل البدائيّ بالتجربة، أنّه كلّما أطال ذراع "العتلة" أو الرافعة، أمكنه رفع أثقال أكبر بمجهود أقلّ.
ثمّ وجد أللغايةدنا القدماء، أنّ قطعة من حجر صلب تصلح نظرا لأن تكون سلاحا أو مطرقة أو مدقّا.
وبفضل ذكاء الإنسان، توصّل تدريجيا إلى تغيير شكل تلك الأحجار، عن طريق الصّقل والسّنّ.
وعرف أنّ حجر الصّوان يُعطي أجزاء حادّة قاطعة عند تكسيره، فصنع منه السّكاكين والحراب ورؤوس السّهام، للصّيد وسلخ الجلود وتقطيع اللحوم.
وبعد ظهور الأسلحة الأولى والفؤوس والسكاكين المصنوعة من حجر الصّوان، بدأ الإنسان يستعمل العظام، ليصنع منها الرّماح والسّهام والخطاطيف والإبر.
فلم تكن جلود صغار الحيوانات تكفي لتغطية جسم الإنسان كلّه، ومن ثم استخدم الإبرة المصنوعة من العظم، لتثبيت عدّة قطع جلديّة معا، لتصبح ثوبا واحدا.
وكانت الخيوط مصنوعة من ألياف النبات وأمعاء الحيوانات.
وعندما تخطّى الإنسان مرحلة الصّيد والتقاط الثمار، إلى مرحلة الزراعة ورعي الحيوانات، استخدم وتدا، أي قطعة خشب لها طرف مدبّب، يحفر به شقوقا في الأرض، ثمّ يضع الحبوب في تلك الشّقوق ويغطّيها بالطّين.
وفيما بعد، ربط قطعة من حجر الصّوّان إلى ذراع غصن شجرة متين، وكان هذا الأمر بداية استخدام الفأس.
ثمّ تمكّن الإنسان القديم من صنع محراث بدائيّ، من الخشب، يجرّه بنفسه، أو بمعونة أحد أقاربه، لتقليب الأرض قبل الزراعة.
وعندما استأنس الإنسان الحيوانات، أصبحت تجرّ المحراث بدلا منه، مثل الثّور والبقرة والحمار والحصان.
وتطوّر المحراث فيما بعد، فأصبح له نصل من حديد.
كذلك اكتشف الإنسان القديم فوائد الطّين المحروق، في صناعة الأواني الفخاريّة، التي ساعدت الإنسان على الطّهي وحفظ السّوائل.
ثمّ اكتشف عجلة صنع الفخار، التي تدور بعد وضع كتلة الطّين فوقها، إذ يتمّ تشكيل الطّمي بلمسات خفيفة من الأصابع.
وباستخدام الأفران، تمكّن الإنسان من صنع أوان خزفيّة بديعة الأشكال والألوان.
وفيما بعد، تمّ صنع الأوعية من النّحاس والحديد.
وعندما اكتشف الإنسان كيف يصنع الخيوط من صوف جملة من الحيوانات، كالشّاة أو الماعز، استخدم المغزل اليدويّ، لتحويل الصّوف والوبر والقطن إلى خيوط.
ثمّ اكتشف النّول الخشبيّ، وهو آلة بُدائيّة، لنسج قطع كبيرة، من القماش.
وتطوّر شكل هذا الأمر النّول فيما بعد، فأصبحت عمليّة النّسج، أوفر سهولة وسرعة.
و"العدّادة" التي نستخدمها حاليا كأداة لتدريس الصغار العدّ والأرقام، تمّ اختراعها حوالي سنة 3000 قبل الميلاد، ولا يزال الناس يستخدمونها حتّى في يومنا هذا الأمر في الهند واليابان والصّين.
و"العدّادة" عبارة عن لوحة صغيرة، مزوّدة بجملة من الكرات التي تنزلق على قضبان داخل إطار، وبالإمكان عن طريقها القيام بالعمليّات الحسابيّة الأربع الأساسيّة، وهي: الجمع، والطّرح، والضّرب، والقسمة.
وتلك "العدّادة" هي أصل الآلة الحاسبة والكمبيوتر.
وعندما بدأ المصريّون القدماء يهتمّون بالعمارة والبناء بالأحجار، استخدموا أسلوب "السّطح المنحدر"، الذي يسمح بالرّفع التّدريجي لمواد البناء الثّقيلة، لتوصيلها إلى المستوى الذي يتمّ فيه العمل.
وقد استخدموا هذا الأمر الأسلوب في بناء الأهرام، منذ أربعة آلاف سنة، لرفع الأحجار الضّخمة على طرق مائلة، جذبوا فوقها تلك الأثقال الكبيرة.
كذلك كان قدماء المصريّين يعرفون الجدوى الميكانيكيّة لاستخدام "الإسفين" أو "الخابور". ويُستعمل الإسفين في فلق الأشياء وقطعها، فهو يسهّل عمليّة فلق الخشب أو الصّخور، لصنع المسلاّت مثلا.
وفي العصور التالية، تعلّم الإنسان كيف يصنع الإسفين من المعادن الّتي تفوق الحجر في الصّلابة. ووفير من آلاتنا الّتي نستخدمها اليوم، عبارة عن إسفينات، مثل: إبرة الحياكة، والسكّين، وفارة النجّار، وغيرها.
ولاحظ الإنسان القديم أنّ الجسم المستدير يتحرّك بسهولة، فاستخدم جذوع الشّجر لدحرجة الأحمال لمسافات بسيطة، غير أنّها لم تكن عجلات حقيقيّة.
ويرجع استخدام "السّومريّين" للعجلة إلى حوالي عام 4000 قبل الميلاد، وكانت عبارة عن قرص ثقيل في وسطه محور.
ثمّ صنع قدماء المصريّين عجلات من البرونز، كانت أوفر متانة وأخفّ وزنا من العجلات السّابقة، وقريبة الشّبه بالعجلات الحالية.
وصارت العجلة هي الأساس في اختراع عربات النّقل، وصُنع السّواقي للرّيّ، وصناعة الطّواحين، وغيرها.
بل يمكننا أن نقول: إنّ "تكنولوجيا" الإنسان جميعها، قد تطوّرت من العجلة، أو اعتمدت عليها بصورة من الصّور.
ثمّ أعان اختراع "البكرة" على رفع الأشياء الثّقيلة، بسهولة.
وقد أصبحت البكرة إحدى الآلات الأساسيّة في حياتنا، حين نستخدمها مع حبال أو سلاسل أو أسلاك لرفع الأشياء، أو لتغيير اتّجاه القوّة.
ولولا البكرة لما كنّا نستطيع مثلا أن نرفع المعرفة أو نخفضه، بدون الصّعود إلى أعلى الصّارِي.
عودة إلى اللوحة ملفات وبحوث حسب المسألة